الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
03:04 ص بتوقيت الدوحة

بين الخليج والعالم العربي..!!

214

أسامة عجاج

الخميس، 17 ديسمبر 2015
بين الخليج والعالم العربي..!!
بين الخليج والعالم العربي..!!
قد تكون الصدفة وحدها هي التي جمعت زمانيا بين انعقاد القمة الخليجية الأخيرة في العاصمة السعودية الرياض، وبين أعمال مؤتمر الفكر العربي الـ١٤ في العاصمة المصرية، ولكن الرابط بينهما في اعتقادي، هو العنوان الرئيسي الذي اتخذته المؤسسة لمؤتمرها، ويدور حول التكامل العربي: تجارب وتحديات وآفاق، والتي كانت الجامعة العربية شريكا رئيسيا في الإعداد والترتيب له، والذي ناقش موضوعات وقضايا مهمة تتعلق بالأبعاد الاقتصادية للتكامل العربي، وجامعة الدول العربية الواقع والمرتجى، والتكامل ومشروعات الدولة الوطنية، وغيرها من العناوين التي عكف عليها عشرات من النخب والمختصين العرب، الذين شاركوا في أعمال المؤتمر تحت إشراف الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي.
وبينما كانت شعوب دول منطقة الخليج في انتظار ما ستسفر عنه القمة من إنجازات وقرارات باتجاه تجسيد وتأسيس المواطنة الخليجية وتحقيق حلم الوحدة الخليجية، دون أن يخلو الأمر من انتقادات أحيانا، وطموحات وأمل أحيانا أخرى بسرعة تحقيق المطالب السابقة، فهناك ومن القاهرة من كان يتعامل مع تجربة مجلس التعاون الخليجي بكل ما تحقق، على أنه نموذج ناجح للعمل العربي المشترك، ويطالب بالعمل على أن تكون ركيزة من ركائز العمل العربي التي يمكن البناء فوقها، حتى وإن كان العمل داخل المنظومة الخليجية يدور بين عدد من دوله هي مجموعة الست، التي تتطابق أنظمة الحكم فيها ارتباطا وثيقا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، على الرغم من الفرق الزمني الكبير بين بدايات الجامعة العربية، والذي تجاوز الـ٧٠ عاما، وبين مجلس التعاون وعمره أقل من نصف تلك المدة. ودعونا نشير إلى حقيقة مهمة هي أن مجلس التعاون الخليجي لم يكن يوما من الأيام ولم يسع قادته عندما فكروا في إنشائه عام ١٩٨١، أن يكون بديلا عن الجامعة العربية، أو إلغاء لدورها على الإطلاق، ومرور تلك السنوات كفيل بتأكيد ذلك، ولكنه تنظيم جهوي سعت إليه دول الخليج في ظرف تاريخي دقيق مر بالمنطقة، وسعت دول عربية إلى السير في نفس الاتجاه بعدها بسنوات، وتحديدا في عام ١٩٨٦ من خلال مجلس التعاون العربي، الذي ضم مصر والعراق والأردن واليمن، ولكنه انهار مع أول أزمة حقيقية بين دوله، بعد الخلاف في المواقف حول الغزو العراقي للكويت. وهناك أيضاً اتحاد المغرب العربي الذي ضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، ولم يعد أحد يتذكره.
ويصبح التساؤل المطروح: لماذا نجح مجلس التعاون الخليجي فيما فشل فيه الآخرون؟ أعتقد أن الأسباب عديدة، وفي المقدمة توافر الإرادة السياسية لإنجاح الاتحاد، وهو العامل الأهم في استمراره، رغم حجم التحديات والتهديدات التي تواجه وواجهت دوله منذ نشأته إلى الآن. ويكفي أن القادة حريصون وفي أحلك الظروف على انعقاد القمة الخليجية، وفي موعد محدد من كل عام في عاصمة خليجية في شهر ديسمبر، حتى في ظل وجود تباين في وجهات النظري في قضية ما، وهو أمر يحسب لقادة دول الخليج. ولعل الظروف التي انعقدت فيها قمة الدوحة في العام الماضي، وسحابة الصيف التي مرت بالعلاقات الخليجية وكانت غير مسبوقة، تؤكد وجود قناعة لدى قادة دول المجلس، بأن القمم تلتئم للبحث في التباينات واختلاف وجهات النظر، التي تعزز فكرة القمة وتؤكد ضروراتها. كما أن جهاز الأمانة العامة للمجلس والمجالس الوزارية مستمرة في عملهما طوال العام، تعمل بجد ومثابرة، على العديد من الملفات والمهمات كل في تخصصه.
وقد تعددت مظاهر القدرة على الإنجاز بين دول الخليج والعالم العربي على أكثر من صعيد، اقتصادي وثقافي، إلا أن تركيزها في هذا المقال على التعاون الأمني والعسكري، في ظل التهديدات التي تواجه الأمن القومي بصفة عامة، والخليجي بصفة خاصة. ويمكننا وبسهولة الكشف عن أن نجاح مجلس التعاون الخليجي نابع من أنه وضع اتفاقية الدفاع العربي المشترك بين دوله موضع التنفيذ، ومنذ بداية نشأته، بعد أن اعتمد مبدأ الأمن الجماعي لأعضائه، وحدد بيان المجلس عند تأسيسه ذلك المبدأ ونص عليه، بل سبق المجلس في مسألة تبني مفهوم تأسيس قوة عسكرية مشتركة، كما يقول الدكتور مصطفى العاني في ورقته أمام المؤتمر «حول التكامل العسكري العربي ضرورة حيوية في عالم متقلب»، وجاء ذلك في العام التالي مباشرة بعد التأسيس، ففي العام ١٩٨٢ تم الاتفاق على تأسيس قوة عسكرية مشتركة، تحت اسم قوة درع الجزيرة، بينما الاتفاقية العربية التي وافق عليها مجلس الجامعة العربية في أبريل ١٩٥٠ -وهي معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي- ما زالت تراوح مكانها، رغم الخطوات المحدودة التي يتم اتخاذها كل فترة، ومن ذلك قرار وزراء الخارجية في سبتمبر من العام ١٩٩٢ باستحداث الإدارة العامة للشؤون العسكرية، أو قرار قمة الخرطوم في عام ٢٠٠٦ بإنشاء مجلس السلم والأمن العربي، حتى وصلنا إلى قرار تشكيل قوة عربية مشتركة في مارس من هذا العام، والذي ما زال قيد التداول.
لقد نجح مجلس التعاون الخليجي في تجسيد فكرة الأمن الجماعي، وتجاوز أزمات كبيرة وخطيرة بالحد الأدنى من الأضرار، وهذا واضح من محاصرة تبعات الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت على تخوم الدول الخليجية، وبين اثنين من أقوى الدول المجاورة بأقل الأضرار، وأثبت قدرات مهمة في قيادة تحالف دولي لتحرير الكويت بعد الغزو العراقي، وعمل على إبعاد أي مخاطر على دوله من الغزو الأميركي للعراق في عام ٢٠٠٣، واتخذت خطوات مهمة إلى الأمام في أزمتين، الأولى في البحرين في مارس ٢٠١١، عندما تدخلت قوات درع الجزيرة لضمان استقرار مملكة البحرين وحمايتها من التدخلات الخارجية، ونجحت في مهمتها تماماً، وقادت أفضل نماذج التكامل والتنسيق العسكري، من خلال عملية عاصفة الحزم، لاستعادة السلطة الشرعية في اليمن في مارس ٢٠١٥، وتعتمد على إسهام الأعضاء بقدرات عسكرية فعلية، وفق قدرات وإمكانات كل طرف، مع وجود قيادة مشتركة وغرفة عمليات ميدانية. لقد أكدت عاصفة الحزم كما يقول اللواء الركن محمد فرغل في ورقته «نحو بناء قوة عربية مشتركة كأداة رافعة للتكامل»، قدرة دول الخليج، ومعها عدد محدود من الدول العربية، على حماية أمنهم القومي، من دون إذن مسبق، أو مساعدة خارجية، وأثبتت أن بإمكانهم اتخاذ قرار عسكري وقائي، يحمي مصالحهم العليا وكبرياءهم القومي.
وفي ظل المشاكل التي تعيق السير قدما، في مشروع القوة العربية المشتركة وهي أكثر من أن تعد أو تحصى، وتحتاج إلى مزيد من التفاصيل والشرح، فقد وصل الأمر ببعض الباحثين في مؤسسة الفكر العربي من غير الخليجيين، إلى تقديم اقتراح أو سيناريو، من بين بدائل أخرى، وفي إطار السعي إلى الخروج بفكرة القوة العربية المشتركة إلى أرض الواقع، إلى إمكانية توسيع قوات درع الجزيرة الخليجية، لتضم دولا عربية أخرى، مع تغيير المسمى إلى القوة العربية المشتركة، وكمرحلة أولى تضم مصر والأردن والمغرب والسودان، الأمر الذي يسهل سرعة تشكيل هذه القوة، والاستفادة من الخبرات والإمكانات وأساليب العمل المتوافرة لدى درع الجزيرة، ورفدها بتشكيلات برية وبحرية وجوية كبيرة، وقادرة على حماية الأمن القُطْري والعربي، من أي تهديد خارجي أو داخلي، وبما يحقق توازنا عربيا إقليميا نسبيا مع القوى الأخرى بالمنطقة، كما يحافظ على وحدة الأراضي العربية ويحول دون تفككها.
وهكذا فالأمر هنا يتعلق بمجال واحد، فما بالك إذا امتد إلى غيره، خاصة ما تحقق على الصعيد الاقتصادي، من تعاون اقتصادي خليجي على أعلى مستوى، يسمح بحرية التنقل والإقامة والتملك والعمل، بنفس ظروف المواطنين، والتمتع بكل حقوق المواطنة، ولهذا فعلى مواطني دول الخليج أن يفخروا بما تم إنجازه على طريق الوحدة الخليجية، وسط عالم عربي متعثر.

usama.agag@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.