الإثنين 14 صفر / 14 أكتوبر 2019
07:31 ص بتوقيت الدوحة

سلميتنا أقوى من الرصاص!

332
سلميتنا أقوى من الرصاص!
سلميتنا أقوى من الرصاص!
هل يقرأ العسكر؟ وهل إذا قرؤوا، هل يفهمون ما يقرؤون؟ وإذا فهموا هل يعملون بما فهموا.. لا أستطيع تأكيد ذلك بل أنفيه تماما، فالقراءة حياة أخرى تضاف إلى حياتك، وخبرات جديدة تضاف إلى عمرك، أتذكر أنني توقفت مرة وألقيت الكتاب على منضدة أمامي، وسألت نفسي: لماذا أقرأ؟!! وهل كل أقراني يتخلون عن ساعات اللهو والمرح ليعيشوا في عالم من الخيال الممتع الذي أعيش فيه؟!! لماذا لا أستجيب لطلبات والدي بالخروج من حجرتي واللعب مع الأطفال؟
لم أكن أبداً طفلاً منعزلاً انطوائياً، ولكنني كنت أخصص وقتاً أكثر للقراءة والاطلاع، وأشعر بسعادة غامرة في هذا العالم الخاص بي.. وحدي!!
كانت غرفتي منعزلة عن الشقة ولها باب خارجي، ولا يشاركني فيها سوى شقيقي الأكبر مني بعام ونصف العام فقط، ولحسن حظي فإنه لم يكن يشاركني متعة القراءة، وبالتالي لا يشاركني في الغرفة لأوقات طويلة، فقد كان يهوى التلفزيون وينفر من القراءة، بل ويعتبر الجلوس أمام كتاب لأوقات طويلة «حاجة بايخة»!!
في غرفتي الصغيرة بمدينتي الهادئة القابعة على أطراف دلتا النيل بمحافظة الشرقية المصرية، خلقت لنفسي عالما خاصا، قمت فيه بجلب مكتبة والدي القديمة، ثم مكتبة أكبر إخوتي الذكور، وبدأت بعدها في تكوين مكتبتي الخاصة بإضافة كل ما تقع عليه عيني من كتب أستطيع توفير ثمنها.
بعد حصولي على الثانوية العامة، هجرت مدينتي الهادئة (منيا القمح) إلى صخب القاهرة العاصمة، وشعرت لأول وهلة أننا كقرويين أو ريفيين عندما نأتي للقاهرة للتعلم أو الدراسة أو حتى للعلاج، ندرك أننا مثل التروس في ماكينة ضخمة لا يمكن أن نتوقف عن الدوران. كان العام الجامعي الأول شديد الغرابة بالنسبة لي، فقد وجدت زملائي المغتربين يعيشون في السكن الجامعي لجامعة القاهرة، بينما أصر أكبر إخوتي أن أعيش معه في مدينة نصر في شرق القاهرة، وكان عليّ أن أقطع يوميا المسافة بين مدينة نصر والجيزة في المواصلات العامة، وما أدراك ما المواصلات العامة في عام 1985 ومعظم الشوارع مغلقة نتيجة أعمال الخط الأول لمترو أنفاق القاهرة!!
كان الموقف الصادم بالنسبة لي في عام 1986 هو قرار المخلوع حسني مبارك فرض حظر التجوال ونشر الجيش في الشوارع بعد أحداث الأمن المركزي. في قلب مدرج الراحل العظيم الدكتور محمود خيري عيسى، وأثناء إلقاء الأستاذ محاضرته، اقتحم الباب مسؤول الشرطة في الكلية ليطلب من الجميع الانصراف لأن البلد في حالة حظر تجوال يبدأ في الرابعة بعد العصر، وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرا.
خرجنا جميعا إلى حرم الجامعة، كان عددنا لا يتجاوز 100 طالب في الدفعة كلها التي انقسمت بعد ذلك في السنة الثانية إلى 3 شعب: العلوم السياسية وتحظى بالنصيب الأوفر من العدد، حوالي 55 طالبا بمن فيهم أمراء وأميرات في دول الخليج، ثم الاقتصاد وانخرط في تلك الشعبة ما بين 25 إلى 30 طالبا، ثم شعبة الإحصاء ولم ينخرط للدراسة فيها سوى عدد لا يتجاوز العشرة طلاب فقط. كنا ما زلنا في الزمن الجميل للنظام التعليمي في مصر!!
المهم، خرجنا للشارع لنجد طلاب كليات الحقوق والتجارة ودار العلوم وأعدادهم بالآلاف، يخرجون مهرولين للعودة إلى بيوتهم، وكنا نفضل أن نعطي الأولوية لزميلاتنا للعودة لبيوتهن، ولذلك لم نجد سيارة واحدة: تاكسي أو ميكروباص، والأتوبيسات العامة ذكرتني بمشاهد ركوب الحافلات العامة في مومباي أو نيودلهي أو أي من مدن الهند المزدحمة في ذلك الزمان!!
قطعت الطريق مشيا على الأقدام مع بعض أصحابي الذين تقع منازلهم على مقربة من مباني الجامعة، واستكملت المشوار وحدي إلى مدينة نصر، قابلت أهوالا حتى وصلت إلى منزل أخي، وفي اليوم التالي مباشرة قررت العودة إلى بلدتي في الشرقية بأي ثمن، وهو ما حدث بالفعل.
هذا الحادث مثّل نقطة فارقة في حياتي نظرا لما تعرضت له في تلك الرحلة، وما أسهمت به في تشكيل وعيي بما حولي، لقد كرهت العسكر، وكرهت مناورات السياسيين أيام مبارك الذين أرادوا التغطية على حادث القتل الغامض للبطل «سليمان خاطر» في محبسه في السجن، ولمن لا يعرف سليمان خاطر، فإنه هو المجند المصري ابن محافظة الشرقية الذي أثار جنود صهاينة نخوته وشرفه العربي الأصيل عندما رآهم يتعمدون إذلاله بمضاجعة مجندات داخل الأراضي المصرية، ويفترشون العلم المصري ليمارسوا الفاحشة فوقه حتى يغيظوه، فقام بتصويب سلاحه عليهم وأطلق النار مما أسفر عن مصرع وإصابة سبعة جنود من جيش العدو وضباطه ومجنداته!!
يوم 7 يناير عام 1986، طالعتنا الصحف المصرية بخبر انتحار سليمان خاطر في محبسه باستخدام ملاية السرير، وأذكر يومها أن مظاهراتنا في كل جامعات مصر لم تتوقف، اعتراضا على هذا الكذب والتضليل، وجاءت أحداث الأمن المركزي لتضرب المافيا السياسية لنظام مبارك عصفورين بحجر واحد: تغطي على قتل سليمان خاطر، وتتخلص من أفضل وزير للداخلية طوال فترة حكم العسكر وهو اللواء: أحمد رشدي!
لم يستغرقني الأمر طويلا، فقد عدت من بلدتي بقرار واضح: يجب أن نحمل السلاح ضد الأوباش!!
بدأت بعد ذلك قصة طويلة انخرطت فيها في صفوف تنظيم «ثورة مصر» ثم «التنظيم الناصري المسلح».
واشتركت في عمليات تستخدم السلاح منذ كان عمري 19 عاما، وبعد فترة طويلة أدركت أن الكلمة أقوى من الرصاص.. وربما في هذا تفصيل آخر إن كان في العمر بقية.

• Sharkawi.ahmed@gmail.com
التعليقات

بواسطة : اشرف العطار

الأحد، 06 ديسمبر 2015 05:48 ص

رجعتنا للايام الجميلة ياشرقاوي لكي الله يامصرنا