الأربعاء 15 ربيع الأول / 13 نوفمبر 2019
05:45 ص بتوقيت الدوحة

اليسار الديمقراطي في صفوف الثورة المصرية

293
اليسار الديمقراطي في صفوف الثورة المصرية
اليسار الديمقراطي في صفوف الثورة المصرية
أزعم أن نفرا قليلا من أبناء التيار اليساري العروبي الناصري، وأتشرف بكوني واحدا منهم، كانوا بمثابة «ورقة التوت» التي غطت عورة هذا التيار في موقفه من الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر يوم 3 يوليو من العام 2013.

اليساريون «ملح الثورات».. لأن اليسار ليس تيارا محافظا مثل الليبراليين أو يمينيا محافظا أيضا مثل جماعة الإخوان المسلمين، لكنه تيار ثوري وغالبا ما يميل إلى الراديكالية في الثورة، هذا هو اليسار الحقيقي لا يسار رفعت السعيد، وجمال فهمي، وضياء رشوان، وإبراهيم عيسي وغيرهم من نفايات الفكر اليساري التي تم تدويرها «أمنيا» ليصبحوا قادة رأي ويسيئوا لأنفسهم قبل أن يسيئوا إلى «فكرة اليسار» ذاتها.

ليس كل يساري علمانيا أو ملحدا، وليس كل ملحد أو علماني لابد بالضرورة أن يكون يساريا.. ولا أبالغ في القول: إن الثورة بدون اليسار ستكون مثل «الطبخة التي تفتقد ذرّة الملح».. هذه الذرّة رغم ضآلتها إلا أنها مهمة ولا تصلح الثورات بدونها. فاليساريون الثوريون الآن ضمن التحالف الثوري الأوسع وداخل بعض الكيانات مثل المجلس الثوري المصري يمثلون صمام أمان يحول دون «تبريد» الثورة الحالية كما تم تبريد ثورة 25 يناير 2011 ثم الانقضاض عليها من جانب «الثورة المضادة» بقيادة العسكر، إننا كثوار ديمقراطيين مؤيدين لشرعية الرئيس المختطف الدكتور محمد مرسي ومناهضين لحكم العسكر المجرم ندعو لإسقاط «النظام الانقلابي»، وليس فقط مجرد إسقاط عصابة الانقلاب بزعامة السيسي، والفارق بين الهدفين كبير.

والبداية، في تقديري، تبدأ بحكم العسكر للبلاد، ودورهم في الحياة السياسية المصرية منذ ستة عقود، والمؤكد بالنسبة لي أن العسكريين أفسدوا الحياة السياسية المصرية طوال العقود الستة الماضية، وكانوا سببا رئيسا في إعاقة التحول الديمقراطي في البلاد، فقد ابتهج المصريون بهم عقب «حركة الضباط المباركة» في 23 يوليو 1952 بقيادة اللواء محمد نجيب، وكان الأمل يحدو المصريين في أن هؤلاء الضباط خرجوا من صفوف الشعب «الكادح الفقير المغلوب على أمره»، ويمثلون له الأمل في التخلص من ثلاثية التخلف اللعينة (الفقر والجهل والمرض)، والفكاك من أسر الاستعمار والتبعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

«الرجل الطيب» اللواء محمد نجيب كان يدرك السر في تحقيق آمال الشعب: الديمقراطية، لذلك عزلوه.. ظنوا أنه ضعيف وأخذتهم العزة بالإثم، فالضابط الأصغر سنا وبالتحديد الرجل «القوي» في صفوف الضباط وهو الصاغ جمال عبدالناصر كان شديد الطموح وشديد العداء لفكرة الديمقراطية، وباختصار الرجل كان ديكتاتورا بامتياز، عمل على إدارة الدولة المصرية باجتهاداته الشخصية المنفردة، وظن ناصر أنه عندما يعمل لأكثر من 12 ساعة في اليوم ويقرأ آلاف الأوراق والتقارير فإنه بمفرده يمكنه أن يحكم دولة كبرى مثل مصر، وكانت النتيجة إصابته بأمراض القلب بسبب كثرة التدخين، وإصابة مصر بما هو أسوأ من ذلك بكثير، إنها حرب 1967 التي أطاحت بآمال مصر في تحسين مستوى معيشة الشعب وتحقيق تنمية اقتصادية ملموسة، وتحول ديمقراطي سليم، وحقق الأعداء الخارجيون (وبالتحديد إسرائيل) مبتغاهم؛ لأن أصعب شيء على أعدائنا هو أن يحكم الشعب نفسه بنفسه في إطار ديمقراطي سليم.

الديكتاتورية والانفراد بالقرار وغياب المؤسسات هي التي أوصلت مصر إلى ما وصلت إليه.

هذه مراجعة شخصية للتجربة استخلصتها عبر سنوات طويلة في صفوف التيار اليساري العروبي، وبالتحديد القومي الناصري، فقد ولدت عام 1968 خلال بناء السد العالي في أسوان، لأب يعمل في تنفيذ تلك الملحمة الوطنية المصرية التي تحسب في إيجابيات التجربة الناصرية، ولا يمكن لأحد أن يزايد على انتمائي للتجربة، لكنني لست ممن يقدسون الأشخاص، فالوطن أهم من عبدالناصر، والديمقراطية أهم من الأيديولوجية.. هذه قناعاتي.

الشاهد أنني وأنا على مشارف الخمسين من عمري أدركت مكمن الخطأ في التجربة الناصرية، وهو الديكتاتورية والاستبداد، أدركت أن والدي عليه رحمة الله وجيله عندما انحازوا إلى «الديكتاتورية» ارتكبوا خطأ كبيرا في حقي وحق جيلي بالكامل، وأيقنت أنهم إذا انحازوا إلى «الديمقراطية» كما طرحها اللواء نجيب فإن مصر كلها، بل والمنطقة العربية كانت ستشهد تحولا ديمقراطيا يضعها في مصاف الدول المتقدمة، ويساهم في تخليص المصريين من ثلاثية التخلف: «الجهل والفقر والمرض».

لذلك فإنني وقطاعا كبيرا من جيلي قررنا بعد 3 يوليو 2013 ألا نكرر خطأ آبائنا في أزمة مارس عام 1954، سوف ننحاز للديمقراطية ونواجه الاستبداد والديكتاتورية حتى آخر لحظة في حياتنا، فالانقلاب العسكري حطّم آمال جيلنا في التحول الديمقراطي الذي تجدد مع ثورة 25 يناير 2011، فقد وضعت إجراءات 3 يوليو 2013 عصا في دولاب عملية ديمقراطية وليدة شابتها عدة أخطاء، لكن أخطاء الديمقراطية لا يتم إصلاحها بالعودة إلى الاستبداد والديكتاتورية.

الجيوش لا تصنع الديمقراطية، الجيوش قد تساعد في تحقيق الاستقرار، وربما تساهم في تدعيم الأمن في المجتمع، لكن الديمقراطية يصنعها ويحرسها ويحميها ويرعاها مواطنون يؤمنون بها ويتحملون تبعاتها، ويصححون أخطاءها، الديمقراطية مؤلمة فى التطبيق وتحتاج لنقاش وإقناع وصبر لا يطيقه الكثيرون في بلادنا خصوصا العسكر الذين لا يعرفون الديمقراطية في عملهم الذي يعتمد علي مبدأ ثابت: «تنفيذ الأوامر كما هي.. ثم التظلم منها بعد التنفيذ» والذي يكرس مبدأ «السمع والطاعة» وبالتالي فإن «فاقد الشيء لا يعطيه».

إذن يتعين على العسكريين الخروج من الحياة السياسية والاكتفاء بدورهم في الحفاظ على الأمن القومي عبر حماية الحدود، كما يتعين عدم الزج بالسياسة في صفوف الجيش؛ لنحافظ على كون الجيش المصري جيشا لكل المصريين بكافة انتماءاتهم، جيشا للعلمانيين والمتدينين، جيشا للمسيحيين والمسلمين، جيشا لكل المصريين؛ لذلك اقترحت وأقترح مجددا أن يكون شعار ثورة مصر ضد العسكر خلال المرحلة المقبلة هو: «لا جيش في السياسة.. ولا سياسة في الجيش».
هذا الشعار، في تقديري، هو الذي سيساهم في مساعدة مصر على التحول الديمقراطي السليم؛ لأن العسكريين أفسدوا حياتنا السياسية لعقود، ولسنا على استعداد للمزيد من الإفساد خلال الفترة المقبلة.

• Sharkawi.ahmed@gmail.com
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.