الإثنين 14 صفر / 14 أكتوبر 2019
06:26 ص بتوقيت الدوحة

مصر في فيينا!

215
مصر في فيينا!
مصر في فيينا!
صحيح أن هناك 17دولة بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي شاركوا في المؤتمر الذي عقد هذا الأسبوع للبحث في نهاية سياسية للأزمة السورية، ولكن اهتمامي في هذا المقال ينصب على الوجود المصري.

بداية لا بد أن نشير إلى أن مصر مهما كانت أوضاعها الداخلية أو نظامها الحاكم هي قوة إقليمية صاحبة دور محوري بحكم عوامل عديدة منها ما هو تاريخي وسياسي وجغرافي، كما أن مصر أيضاً معينة بكل الأزمات العربية وعلى تماس مع الأوضاع في العديد من الأقطار العربية بحكم أنها جزء أصيل من الأمن القومي العربي تؤثر وتتأثر به، فما بالك إذا تعلق الأمر بالوضع في سوريا وهي تاريخيا شريكة في أول تجربة وحدة عربية مع مصر عام 1958؟ وهي أيضاً رفيقة أهم لحظة عربية تمكن فيها الجيشان العربي في سوريا ومصر من تحقيق إنجاز تاريخي في أكتوبر 1973، كما أن هناك قناعة أكدتها أحداث التاريخ بأن الأمن القومي المصري يبدأ من طرطوس في أقصى شمال سوريا، وإذا تعلق الأمر بمشاركة هذا العدد من الدول وللبحث في الأزمة السورية، فإن وجود مصر يبدو أمرا بديهيا وطبيعيا لا يستحق التساؤل عن أسبابه ولكن يبقى الاستفهام حول أين يمكن احتساب الدور المصري؟ وأين تقف القاهرة من المحوريين الأساسيين في التعاطي مع الأزمة السورية؟ خاصة أن استمرار الأزمة لحوالي خمس سنوات سمح بعملية فرز كشفت عن توجهات كل المتعاطين والمهتمين بالأزمة السورية.

ولعل القراءة المتأنية لتركيبة الدول الـ17 المشاركة في اجتماع فيينا يمكننا أن نرصد ذلك الفرز فنحن أمام مجموعة من الدول ذات التأثير المباشر في الملف السوري على المستوى الدولي، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بالإضافة إلى فرنسا، وهي مهتمة تاريخيا بالأوضاع في سوريا وألمانيا التي تقود الاتحاد الأوروبي في التعامل مع تبعات أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا وعلى المستوى الإقليمي هناك أربع دول: المملكة العربية السعودية ودولة قطر وتركيا وإيران، وهناك الدول التي تتأثر بتطورات الأزمة السورية وتدفع منذ اليوم الأول توابعها بحكم الجوار الجغرافي ونحن نتحدث عن الأردن ولبنان، وهما معا يتحملان العبء الأكبر في استضافة ملايين اللاجئين السوريين بل أصبحوا يشكلون نسبا مهمة من تعداد السكان في كل منهما، كما أن دولة مثل الأردن تخشى على المستوى الأمني توابع تمدد تنظيم داعش، كما أن لبنان مثلا رغم أنه على المستوى الرسمي يلتزم بسياسة «النأي بنفسه» عن الأزمة السورية إلا أن الدور الذي يلعبه حزب الله في دعم النظام السوري ومشاركة الآلاف من عناصره في المعارك التي تخوضها قوات الأسد ضد المعارضة السورية جعل من لبنان أحد الدول التي تكتوي بنار الأزمة وتخشى توابعها وتنتظر نتائجها النهائية «على أحر من الجمر» ويبقى ثلاث دول من المشاركين مصر وسلطنة عمان والإمارات والأخيرة لم تكن الأزمة السورية في أولوياتها كما هو الحال بالنسبة لأزمة كاليمن التي تشارك بدور مهم في التحالف العربي هناك وسلطنة عمان وتحركها الأخير لا يخفى على أحد سواء في استقبال وليد المعلم وزير الخارجية السوري في مسقط، وقد تكون الزيارة الأولى للوزير إلى دولة عربية منذ الأزمة واستقبال بشار الأسد لوزير الدولة العمانية للشؤون الخارجية يوسف بن علوي في دمشق مما يؤشر إلى دور ما عماني قد لا يكون بعيدا عن دول فاعلة كالسعودية والولايات المتحدة في توصيل رسائل ما أو السعي لطرح أفكار قد تساهم في الحل.

ويبقى الوجود المصري وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه في إطار الجهد الدولي والإقليمي المبذول في ذلك الاتجاه ويمكننا أن نرصد ثلاث مراحل للمواقف المصرية من الأزمة والنظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية. في زمن المجلس العسكري انشغلت مصر بوضعها الداخلي أكثر ولكنها لم تقطع علاقاتها بالنظام وظلت الاتصالات مستمرة والسفير السوري يوسف الأحمد موجود في العاصمة المصرية وينقل رسائل بين الطرفين ولكن القاهرة لم تقف «حجر عثرة» أمام التيار الجارف في الجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا في الأمانة العامة وأصبح الموقف المصري في عهد الدكتور محمد مرسي أكثر قربا من معظم الدول العربية التي توافقت على إدانة النظام بعد المجازر التي ارتكبها في حق الشعب السوري وطالبت بإبعاده وطرحت مصر رؤية للعمل عن طريق تشكيل لجنة رباعية تضمها مع السعودية وتركيا وإيران باعتبارها الدول الأكثر تأثيرا في الملف السوري ولكن عوامل عربية ودولية عديدة كانت وراء إفشال المقترح وتطورت مصر من موقفها بدعم المعارضة السورية وتأييد فكرة الجهاد ضد النظام وتجميد العلاقات بين البلدين وخفض مستواها.

واختلف الأمر بعد 3 يوليو 2013، صحيح أن العلاقات على المستوى الرسمي ظلت على حالها ولكن وتيرة الاتصالات على الأقل على المستوى الأمني زادت بصورة ملحوظة وهناك تقارير تتحدث عن زيارات غير معلنة بين الجانبين بهذا الخصوص، والأهم أن مصر خلقت مسافة بينها وبين مواقف عدد من الدول العربية المهمة والمعنية بالقضية السورية عندما بدأت بالترويج لفكرة أنها قد لا تكون في وارد دعم بقاء بشار ولكن ما يهمها هو الحفاظ على المؤسسات في سوريا خاصة الجيش ومنع تقسيمها.

ولعل الأمور أصبحت واضحة أكثر واقترب الموقف المصري من الروسي بعد أن انفردت القاهرة عربيا بتأييد التدخل الروسي في المواجهات على الأراضي السورية والغارات التي تقوم بها وقيل إنها تستهدف داعش بينما الواقع يؤكد أن ذلك غير صحيح بعد أن نجح التنظيم في تطوير عملياته والتقدم على أكثر من جبهة آخرها الأسبوع الماضي بعد أن سيطر على نقاط تابعة للقوات الحكومية على أطراف مدينة السفيرة الاستراتيجية كما اقتربت من فصل دمشق عن حلب ومناطق الساحل مناطق نفوذ النظام وجاء التأييد المصري على لسان وزير الخارجية سامح شكري.

وكان من الطبيعي أن تتحمس موسكو لمشاركة دولتين في اجتماع فيينا وهما -وياللغرابة- مصر وإيران بعد أن تحفظت دول عديدة عربية وغربية على مشاركة إيران في أي جهد يبذل لحل الأزمة السورية باعتبارها طرفا في النزاع وآخرها جنيف2 والأمر يبدو مفهوما بالنسبة لحرص روسيا على مشاركة إيران فمواقفهما واحدة وهما متورطان أصلا عسكريا في الصراع أما بالنسبة لمصر فالأمر يحتاج إلى تفسير.

والمتابع للموقف المصري في الآونة الأخيرة يجده أقرب للروسي رغم حرص القاهرة والرياض على نفي وجود أي تباين بينهما تجاه الملف السوري، فقد أشار وزير الخارجية الروسي صراحة إلى ذلك في الأسبوع الماضي عندما قال إن روسيا تعول على دور مصري في توحيد الجهود والخروج بعرض من المعارضة ومساعدتهم في تشكيل وفد موحد للمحادثات مع النظام السوري. وترى روسيا أن ما يسمى منصة القاهرة ومنصة موسكو يمكن البناء عليهما في تسوية الأزمة في إشارة إلى الاجتماعات التي استضافتها العاصمتان خلال الأشهر الماضية مع الوضع في الاعتبار أنهما يتعاملان مع نوعية معينة من المعارضة من داخل النظام وتقبل بوجوده وكان ذلك واضحا في الاجتماع الذي استضافته القاهرة في يونيو الماضي.

ويتم استبعاد قوى سياسية تمثل المعارضة الحقيقية على الأرض رغم ذلك فلا يعترف النظام بأي قوى معارضة وينكل برموز المعارضة المستأنسة -إذا جاز التعبير- ومنهم حسن عبدالعظيم رئيس الهيئة التنسيقية كما أن النظام لم يقبل حتى بالطرح الذي قدمته اجتماعات القاهرة والذي لا يمس وجود الأسد ولا يمانع في استمراره كما أن القاهرة تحولت إلى ساحة لقاء بين مسؤولين روس وقيادات من تلك المعارضة وآخرها تلك التي أجراها ميخائيل بوغدانوف مبعوث الرئيس الروسي ونائب وزير الخارجية.

أخشى ما أخشاه أن تكسب مصر من خلال اجتماعات فيينا النظام السوري، وبقاؤه غير مضمون ومعه إيران وروسيا وتقامر بعلاقات استراتيجية مستقرة مع دول خليجية مثل السعودية ومهمة مثل أميركا.?

usama.agag@yahoo.com •

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.