الخميس 05 ربيع الأول / 22 أكتوبر 2020
09:30 م بتوقيت الدوحة

المنيّة

71
المنيّة
المنيّة
يبلغ زهير بن أبي سلمى الثمانين من عمره، ويسأم تكاليف الحياة، ويطرز معلقته بكل أنواع الحكمة التي اكتسبها من منهاج حياته الطويل، ومعايشته داحس والغبراء، ومن نفخ نارها وزاد أوارها، ومن سعى في الصلح ووضع أوزارها؛ فيصف المنايا بعين مشيبه التي رأت رحى الحروب تطحن من طحنت، وتفلت من أفلتت. ويرى لبيد بن ربيعة المنيّة بعين يقينه، فيستسلم لها ولا يُعِدّ لسؤالها جواباً، ولا يفرّ منها وهي ملاقيته، ولا يفزع منها إلى بروج مشيّدة؛ إلا أن طرفة بن العبد قد وصفها بطريقته الأخّاذة الجذّابة، وكشف عن جوهرها الخفي في بقعة الضوء بعدسته الثاقبة، فقال:
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى
لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ فِي اليَدِ

فأين المفرّ؟ وأين الملاذ؟ وأين المعاذ؟ والمنيّة والأعمار مشدودة بلجام وخطام مُحكمَيْن إلى قبضة المنيّة التي لا ترحم؟ ولطالما بقي في العمر بقية أرخت الزمام يد المنية، فإذا انتهى رصيد العمر شدّته، فتوقّفت الخطى ورُفعت الأقلام وجفّت الصحف. وقد صوّر المتنبي لنا المنية وهي تُرخي حبالها لأجل لم يئن، وموعد لم يحن، ولو كان صاحبه وسط المهالك والمعارك؛ فقال في سيف الدولة:
وَقَفْتَ وَمَا فِي المَوْتِ شَكُّ لِواقِفٍ
كأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهُوَ نَائِمٌ

يا للروعة، فعادة الإنسان إذا مرّ بجانب وحش نائم أن يخفّ خطوته، ويكبت صوت أنفاسه؛ كي لا يوقظه ويوقظ معه شروره، إلا أن سيف الدولة يدوس في جفون وحش المنيّة، وهي تغضّ عنه طرفها، وتُرخي له حبلها، وتتعامى عنه وتبطش بسواه، فلا نامت أعين الجبناء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الشاعر الرحّالة

24 مايو 2020

عدسة مخضرمة

17 مايو 2020

التراث الحسّاني

10 مايو 2020

بديع الزمان

03 مايو 2020

العدسة الزاهدة

26 أبريل 2020

ربيعُ أبي تمّام

19 أبريل 2020