الثلاثاء 21 ذو الحجة / 11 أغسطس 2020
04:36 ص بتوقيت الدوحة

الشاعر الرحّالة

81
الشاعر  الرحّالة
الشاعر الرحّالة
لا شكّ في أنّ أبا الطيب كان شاعراً رحّالة، وهذا ما يفسّره ميلاده في كوفة العراق، ونشأته في الشام الفيحاء، ووفوده على سيف الدولة في حلب الشهباء، واختلافه إلى كافور الإخشيدي في مصر الكنانة؛ لذلك وجدناه ضليعاً بالتصوير الوثائقي لكل ما في الطبيعة، سواء أكان من شجرها وآكامها أم من وحشها وأنعامها. لم ينسَ جواده الذي كان لرحلاته رفيقاً وأنيساً وركوباً من أجمل الصور، كدأب الشعراء الذين استطلعنا صورهم على أنعامهم، والأجدر أن نشاهد عند أبي الطيب ما لم نره عند غيره، عرضاً يسوده الرعب لبدر بن عمار أمير الأردن، وهو في رحلة صيد غير مألوفة والطريدة أسد الغاب:
يَطَأُ الثَرى مُتَرَفِّقاً مِن تيهِهِ
فَكَأَنَّهُ آسٍ يَجُسُّ عَليلا
وَيَرُدُّ عُفْرَتَهُ إلى يافوخِهِ
حَتّى تَصيرَ لِرَأسِهِ إِكليلا
ظهر في أدغال الأردن قريباً من طبرية أسد، أوسع الناس من حوله افتراساً، حتى صرعه الأمير آنذاك، وقد ظهر لنا من عدسة الشاعر بهيبته وتيهه وهو يترفّق في مشيته ويتناول الأرض رفقاً بمخالبه، كما تتعاطى يد الطبيب مريضه، وتتسوّر لبدته رأسه كالإكليل، وقد انتهت أسطورته بمبارزة الأمير معه:
قَصَرَتْ مَخافَتُهُ الخُطى فَكَأَنَّما
رَكِبَ الكَمِيُّ جَوادَهُ مَشْكولا
أَلْقى فَريسَتَهُ وَبَرْبَرَ دونَها
وَقَرُبتَ قُرْباً خالَهُ تَطفيلا
حينما ظهر الأمير عليه تقاصرت خطى الفرس إليه كما لو أن قوائمها مقيّدة بالسلاسل، وهنا ترجّل الأمير ليكمل مهمته، واقترب من الأسد الذي زأر دون فريسته ليحميها من تطفّل الأمير عليها كما هي فطرة المفترسات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المنيّة

31 مايو 2020

عدسة مخضرمة

17 مايو 2020

التراث الحسّاني

10 مايو 2020

بديع الزمان

03 مايو 2020

العدسة الزاهدة

26 أبريل 2020

ربيعُ أبي تمّام

19 أبريل 2020