الأربعاء 24 ذو القعدة / 15 يوليه 2020
11:59 ص بتوقيت الدوحة

سدّ النهضة.. السودان وتصحيح المسار (1-2)

75
سدّ النهضة.. السودان وتصحيح المسار     (1-2)
سدّ النهضة.. السودان وتصحيح المسار (1-2)
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين، وسط حديث من الخبراء والمختصين في البلدين على أن السد يمثّل تهديداً لحياة المصريين ولوجود السودان ذاته، إذا استمر الموقف الإثيوبي على حاله، كما أن مرور أكثر من خمس سنوات لم يكن كافياً لحل الأزمة، على الرغم من تعدّد مستويات الحوار الثلاثي؛ سواء على مستوى القادة وكبار المسؤولين، عبر لجان تفاوض تضمّ وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة الاستخبارات، بالإضافة إلى اللجان الفنية، والاتجاه إلى طلب الوساطة بدخول أميركا طرفاً في الأزمة، وقد أفشلت إثيوبيا المحاولة بعدم حضورها جلسة التوقيع النهائي على الاتفاق الإطاري الذي تمّ التوصل إليه برعاية واشنطن والبنك الدولي، ووقّعته مصر في فبراير الماضي. يُضاف إلى ذلك خروج القضية إلى الإطار الدولي بالخطاب، وليس بالشكوى، التي تقدّمت بها مصر في السادس من شهر مايو الحالي إلى مجلس الأمن، وردّ إثيوبيا عليه الجديد، والأخطر تلك التحركات والتصريحات الإثيوبية المستفزّة حول بدء ملء السد في موعده في يوليو المقبل، أي بعد أقل من شهرين.
ومع اقتراب موعد ملء السد، فنحن أمام متغيّرين مهمين؛ الأول هو التغيير الحاصل -وبصورة كلية- في الموقف السوداني، الذي اتخذ مساراً تصحيحياً لسوابق تأرجُح دأبت عليها الخرطوم، والثاني هو موقع دخول مجلس الأمن طرفاً جديداً في معادلة أزمة سد النهضة. الشواهد على التغيير عديدة، آخرها الإعلان الرسمي عبر وزارة الري والموارد المائية السودانية، عن مضمون رسالة من رئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى نظيره الإثيوبي، برفض مقترح الأخير بشأن المقترح الإثيوبي، بتوقيع اتفاق جزئي حول ملء بحيرة السد في المرحلة الأولى، واعتبر الرد السوداني أن المقترح بهذا الشكل لا يمكن الموافقة عليه؛ نظراً لوجود جوانب فنية وقانونية يجب تضمينها في الاتفاق، وفقاً لآلية التنسيق وتبادل البيانات وسلامة السد والآثار البيئة والاجتماعية، وليس فقط بعملية الملء الأول.
وأكد السودان -وفقاً لرسالة حمدوك- أن طريق الوصول إلى اتفاقية شاملة هو الاستئناف الفوري للمفاوضات، خاصة في ظل قناعة سودانية بأن مسار واشنطن قطع نحو 90% من نقاط الخلاف؛ حيث تسعى الخرطوم منذ مارس الماضي، بعد تعثّر التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه عبر الوساطة الأميركية والبنك الدولي، والذي وقّعت عليه مصر، وتحفّظ السودان على التوقيع بحجة أن توقيع طرفين على اتفاق ثلاثي يدفع الطرف الثالث إلى التحرك بشكل منفرد، خاصة أن إثيوبيا لم تشارك أصلاً في الاجتماع المقرر. كما يظهر حجم التغيير في الموقف السوداني إذا تمت مقارنته بتحفّظ الخرطوم على قرار وزراء الخارجية العرب -في مارس الماضي- بدعم الموقف المصري والسوداني، مخافة أن يكون ذلك دافعاً لتكتّل إفريقي يناصر إثيوبيا.
وتتنوّع أسباب التغيير السريع خلال الفترة الأخيرة، والتي لم تتجاوز شهرين؛ منها الحيوية التي شهدها المجتمع السوداني ونخبه السياسية، التي ضغطت باتجاه صياغة موقف رسمي واضح يستند إلى دراسات موضوعية، ووصل الأمر إلى أن المجتمع المدني قام بخطوات مهمة في هذا المضمار، لدرجة تشكيل كيان أطلق على نفسه «مجموعة مخاطر سدّ النهضة»، وهي عبارة عن عدّة قوى مدنية يجمعها ميثاق شرف لمناهضة مخاطر السد على السودان، ومقاومة ما تراه المجموعة مؤامرة ضد دولتي المصبّ، ودخلت على الخط الأحزاب السياسية، وآخرها الحزب الاتحادي -وهو أحد الأحزاب التاريخية في السودان، الذي دعا الحكومة الانتقالية إلى مراعاة التوافق عند اتخاذ أي قرار وبعد تشاور مجتمعي- مع أخذ مخاوف الخبراء من أن انهيار السد سيؤدي إلى تدمير السودان مأخذ الجد، خاصة بعد أن تم السماح لهم بالتعبير بحرية عن آرائهم، بعد إزاحتهم من المشهد في زمن البشير، الذي أدار الملف بشكل سياسي. وهناك شواهد أيضا على إنهاء حالة غياب التنسيق في المواقف بين الحكومة -والتي كانت تميل إلى حدّ ما إلى إثيوبيا- والمكوّن العسكري في المجلس الرئاسي.
هكذا دخلت الأزمة مساراً مختلفاً بعد هذا التقارب في المواقف المصرية السودانية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.