الثلاثاء 14 ذو الحجة / 04 أغسطس 2020
08:13 م بتوقيت الدوحة

«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع (2-2)

70
«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع    (2-2)
«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع (2-2)
الواقع أن اندلاع جائحة «كوفيد - 19» قدم فرصة سانحة للقيادة التحويلية، كان الزعيم التحويلي ليشرح في وقت مبكر من الجائحة: «لأن الأزمة عالمية بطبيعتها، فلن يتسنى لأي دولة تعمل بشكل منفرد حلها»، لكن ترمب وشي جين بينج أهدرا هذه الفرصة، فقد فشل كل منهما في إدراك حقيقة مفادها أن ممارسة القوة من الممكن أن تصبح مباراة محصلتها إيجابية، فبدلاً من التفكير من منظور فرض القوة على الآخرين، كان بوسعهما أن يفكرا في استخدام القوة جنباً إلى جنب مع الآخرين لصالح الجميع.
في العديد من القضايا العابرة للحدود الوطنية، قد يساعد عمل الآخرين على تمكين دولة مثل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الخاصة، فإذا تمكنت الصين من تعزيز نظام الصحة العامة لديها أو الحد من بصمتها الكربونية، فسوف يستفيد الأميركيون والجميع غيرهم، في عالم تحكمه العولمة، تُعَدّ الشبكات مصدراً أساسياً للقوة، وفي عالم متزايد التعقيد، تصبح الدول الأكثر ارتباطاً -تلك الأكثر قدرة على اجتذاب الشركاء للمساهمة في جهود تعاونية- هي الأكثر قوة.
بقدر ما يكمن المفتاح إلى أمن أميركا وازدهارها في المستقبل في إدراك أهمية «القوة مع» وكذا «القوة على»، كان أداء إدارة ترمب خلال الجائحة مثبطاً، والمشكلة ليست في شعار «أميركا أولاً» فكل دولة تضع مصالحها أولاً، بل تكمن المشكلة في كيفية تعريف ترمب للمصالح الأميركية، فبسبب تركيزه بشكل منفرد على مكاسب قصيرة الأجل تتحقق من خلال صفقات محصلتها صفر، أولى ترمب اهتماماً ضئيلاً للمصالح الأطول أمداً، التي تخدمها المؤسسات والتحالفات والمعاملة بالمثل.
في ظل الظروف الحالية، تخلت الولايات المتحدة عن تقاليدها في السعي إلى تحقيق المصلحة الذاتية المستنيرة بعيدة الأمد، ولكن برغم ذلك، لا يزال بإمكان إدارة ترمب أن تلتفت إلى الدروس التي دعمت نجاحات الرؤساء الأميركيين في مرحلة ما بعد عام 1945م، والتي وصفتها في كتابي الأخير بعنوان «هل تشكل الأخلاق أي أهمية؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من فرانكلين ديلانو روزفلت إلى ترمب»، الواقع أن الولايات المتحدة لا يزال بوسعها أن تطلق برنامجاً ضخماً للمساعدة في التصدي لجائحة «كوفيد - 19» على غرار خطة مارشال.
كما زعم هنري كيسنجر مؤخراً، يتعين على قادة اليوم أن يختاروا مسار التعاون الذي يفضي إلى تحسين المرونة والقدرة على الصمود على المستوى الدولي، وبدلاً من اللجوء إلى الدعاية التنافسية، يستطيع ترمب أن يدعو إلى عقد قمة طارئة لمجموعة العشرين، أو اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لإنشاء أطر ثنائية ومتعددة الأطراف لتعزيز التعاون.
وربما يشير ترمب أيضاً إلى أن الموجات الجديدة من جائحة «كوفيد - 19» ستضرب الدول الأشد فقراً بقوة، وأن الفاشيات الجديدة في جنوب الكرة الأرضية ستلحق الأذى بالجميع عندما تنتشر شمالاً، ويجدر بنا أن نتذكر هنا أن الموجة الثانية من جائحة الإنفلونزا في عام 1918م قتلت عدداً من الناس أكبر من أولئك الذين قتلتهم موجتها الأولى، إن القائد التحويلي كان ليعلم عامة الأميركيين أن حشد المساهمات السخية لإنشاء صندوق جديد لمكافحة جائحة «كوفيد - 19» مفتوح لكل البلدان النامية يصبّ في مصلحتهم الشخصية.
إذا كان لمثيل تشرشل أو مانديلا أميركي أن يثقف الناس على هذا النحو، فإن الجائحة من الممكن أن تفتح طريقاً إلى سياسة عالمية أفضل، ولكن من المحزن أننا ربما فاتتنا بالفعل لحظة القيادة التحويلية، وقد يعمل الفيروس ببساطة على تسريع وتيرة الظروف العالمية القائمة مسبقاً من القومية الشعبوية وإساءة استخدام التكنولوجيا على يد الحكومات المستبدة، لا شك أن إخفاقات القيادة مثار للأسف والحزن دائماً، لكنها تصبح أشد إيلاماً في مواجهة الأزمات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.