الأحد 21 ذو القعدة / 12 يوليه 2020
03:23 م بتوقيت الدوحة

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

62
هيبة الدولة لوقف
النزاعات القبلية
هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي في ذلك المداومة على الجرعة الدوائية ذاتها رغم عدم تحسّن حالة المريض، وتقديم المعالجة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نفسها لظواهر اجتماعية سالبة أو لأزمات اقتصادية أو سياسية مزمنة.
هذه المقدمة تمهيد لتناول وانتقاد تكرار الحكومات السودانية المتعاقبة لوصفة واحدة في معالجة حالة الاحتراب القبلي، التي طال أمدها واتسع نطاقها لتشمل مناطق عديدة في السودان، فرض هذا الموضوع القتال القبلي الذي وقع مؤخراً بين البني عامر والنوبة في ولاية كسلا، والقتال بين الرزيقات والفلاتة في دارفور، والأحداث الدموية في كادقلي بجنوب كردفان، وهي امتداد لثنائيات قتالية كثيرة اعتاد المواطن السوداني على سماعها بين حين وآخر. الحرب القبلية حدث خطير، ويكفي أنه يهدد الحياة ذاتها، حيث يقتل مئات المواطنين في هذه المواجهات الدامية، ورغم ذلك لا تقابل هذه الأحداث من السلطات -ولائية كانت أو مركزية- بالاهتمام الذي يتناسب وخطورة الحالة، أول مظهر للتراخي هو رد الفعل المتأخر على أخبار خطرة عن توتر في منطقة محددة يصحبه استنفار قبلي لأبناء القبيلة استعداداً لمعركة مقبلة بكل تأكيد، لكن الحكومات لا تحرك ساكناً ولا تبدأ التحرك إلا بعد انتهاء المعركة ومقتل كثير من أبناء الوطن. حينها تبدأ الحكومة تحركها المعتاد وتنفيذ خطتها التي فشلت عشرات المرات، حيث تعقد مجالس الصلح التي تدفع فيها الديات ويعيد الفرقاء مع الوسطاء أحاديث مستهلكة عن علاقة طيبة مزعومة بين القبيلتين، تلي ذلك إشادة في الإعلام بروح التسامح المعروفة بين السودانيين، وبعد فترة لا تطول يتجدد القتال لتستعد الحكومة لمجلس صلح جديد وأحاديث مكرورة عن الحكمة السودانية. يكفي سيل الدماء الذي لم ينقطع لأن تقلع الحكومة عن الطريقة الفاشلة، وتنهض لمسؤوليتها في بسط هيبة الدولة لحماية أمن المواطن، باعتبار الأمن أهم مسؤوليات وأوجب واجبات السلطة الحاكمة، ومن البدهيات أن تتحرك قوة نظامية -شرطة أو جيش- لمنع الاشتباك قبل وقوعه، أو لقمع الاشتباك القبلي فور وقوعه، باعتباره خروجاً على القانون أقرب إلى التمرد على الدولة، وعلى الحكومة في الظروف العادية العمل على جمع السلاح من المواطنين، ما دام انتشار السلاح قد أصبح من مهددات الأمن المجتمعي.
لقد اعتاد الناس في العاصمة القومية وفي العواصم الولائية على رؤية الجيش وهو يستعرض قوته، فيحسّ المواطن بهيبة الدولة ويتراجع كل من تسوّل له نفسه التخريب، فلماذا لا يمارس الجيش سطوته في وأد الاشتباكات القبلية؟! معتمداً على شرعيته وعلى تفوقه العسكري.
وفي جانب آخر، لقد ابتذلت الحكومات المتعاقبة فكرة الدية، فصارت السلطة أو القبيلة تدفع أموال الديات فلا يتحمل القتلة جريرة ما فعلوا، ويستعدون لجرائم جديدة ما دام المال يدفعه غيرهم، وما دام القانون لا يطالهم رغم بشاعة ما ارتكبوا، فلتعمل الدولة -ضمن خطة بسط الهيبة- القانون حتى ينال كل مستهتر جزاءه، وإلا فسوف يستمر هذا المسلسل الدامي، وسوف تسقط نهائياً هيبة الدولة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.