الخميس 23 ذو الحجة / 13 أغسطس 2020
06:28 ص بتوقيت الدوحة

«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع (1-2)

134
«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع    (1-2)
«كوفيد-19» وفشل القيادة الذريع (1-2)
تشكل القيادة -القدرة على مساعدة الناس في وضع أهدافهم في الإطار المناسب وتحقيقها- أهمية بالغة أثناء الأزمات، أظهر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل هذه القدرة في عام 1940م، كما فعل نيلسون مانديلا خلال انتقال جنوب إفريقيا من حكم الفصل العنصري.
قياساً على هذه المعايير التاريخية، كان فشل قادة أكبر اقتصادين في العالم في الآونة الأخيرة ذريعاً، لم يتفاعل كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينج مع فاشية فيروس «كورونا» في مستهل الأمر بإعلام وتنوير جماهير الناس وتثقيفهم، بل بإنكار المشكلة، وبالتالي دفع الناس ثمن إنكارهما من حياتهم، ثم ذهب كل منهما إلى إعادة توجيه طاقاته نحو توزيع اللوم، بدلاً من العمل على إيجاد الحلول، وبسبب إخفاقاتهما، ربما فوّت العالم فرصة الاستجابة للأزمة بما يمكن تسميته «لحظة سبوتنيك»، أو «خطة مارشال للتصدي لجائحة مرض فيروس كورونا 2019».
بطبيعة الحال، لا ينجح القادة التحويليون دائماً، حاول الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش إعادة تشكيل الشرق الأوسط بغزو العراق، وكانت العواقب وخيمة، على النقيض من ذلك، كان والده، الرئيس جورج بوش الأب، أكثر ميلاً إلى أسلوب المعاملات، لكنه كان أيضاً يتمتع بالمهارات اللازمة لإدارة الوضع المائع الذي وجد العالم نفسه فيه بعد انهيار الشيوعية في أوروبا، فقد انتهت الحرب الباردة، وأعيد توحيد شطري ألمانيا وترسيخها بقوة في الغرب، دون إطلاق رصاصة واحدة.
أياً كان الأسلوب الذي ينتهجه القائد، فإنه قادر على ممارسة تأثير قوي على الهوية الجمعية -القوة التي تعمل على تحويل «أنا» و»أنت» إلى «نحن»- يميل القادة المتكاسلون إلى تعزيز الوضع الراهن، من خلال استغلال الانقسامات القائمة لحشد الدعم لأنفسهم، كما فعل ترمب، لكن القادة التحويليين الفاعلين قادرون على فرض تأثير أبعد مدى بأشواط على الطابع الأخلاقي للمجتمع، كان بوسع مانديلا، على سبيل المثال، أن يلجأ إلى تعريف قاعدته في جنوب إفريقيا على أنهم السود، ثم يسعى إلى الانتقام لعقود من الظلم، لكنه بدلاً من ذلك عمل بلا كلل أو ملل على توسيع نطاق هوية أتباعه.
على نحو مماثل، بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت قيام ألمانيا بغزو فرنسا للمرة الثالثة في غضون سبعين عاماً، خلص الدبلوماسي الفرنسي جان مونيه إلى أن الانتقام لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج المأساة، ولتغيير الوضع، ابتكر مونيه خطة للإنتاج الأوروبي المشترك للفحم والفولاذ، وهو الترتيب الذي تطور في نهاية المطاف ليتحول إلى الاتحاد الأوروبي.
لم تكن هذه الإنجازات حتمية، فعندما ننظر إلى ما وراء أُسَرِنا وأقرب المقربين منا، نجد أن أغلب الهويات البشرية تندرج تحت ما أسماه العالم السياسي بنيدكت أندرسون «المجتمعات المتخيلة»، فلا أحد يشارك بشكل مباشر في تجربة ملايين الآخرين الذين ينتمون إلى الجنسية ذاتها، ومع ذلك، على مدار القرنين الماضيين، كانت الأمة هي المجتمع المتخيل الذي كان الناس على استعداد للموت من أجله.
لكن التهديدات العالمية مثل جائحة مرض فيروس كورونا 2019 1 كوفيد - 19»، وتغير المناخ لا تميز حسب الجنسية، في عالم تحكمه العولمة، ينتمي أغلب الناس إلى عدد من المجتمعات المتخيلة المتداخلة -المحلية، والإقليمية، والوطنية، والعِرقية، والدينية، والمهنيةـ ولا يضطر القادة إلى مناشدة أضيق الهويات من أجل حشد الدعم أو التضامن.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.