الخميس 13 صفر / 01 أكتوبر 2020
08:00 م بتوقيت الدوحة

حفتر.. و«التفويض الشعبي»

85
حفتر.. و«التفويض الشعبي»
حفتر.. و«التفويض الشعبي»
مع تطور المجتمعات الإنسانية تطورت الأنظمة السياسية، فبعد أن جاءت الرسل وعرفت الحضارات الأديان السماوية، بات من غير المعقول أن يصف الحاكم نفسه بالإله، وكان لا بدّ من نظرية جديدة تعطي الشرعية للحاكم أو الديكتاتور، ولذلك ظهرت نظرية للحكم تسمى بنظرية «الحق الإلهي غير المباشر»، وهي لا تجعل من الحاكم إلهاً يُعبد من دون الله، ولكن تجعله مختاراً بطريق مباشر من الله -لمزاولة شؤون السلطة- وهنا نلاحظ أن الاختيار أيضاً جاء بعيداً عن إرادة الأفراد، فهو «أمر إلهي» خارج عن إرادتهم.
بالطبع إن ما سيترتب على هذا النوع من الأنظمة السياسية، هو وجوب الطاعة العمياء للحاكم، فمعصيته هي معصية لله، ولا تجوز مساءلته، لأن الحاكم مسؤول فقط أمام الله.
هذا النوع من الأنظمة السياسية كان سائداً لدى ملوك أوروبا في العصور الوسطى وحتى بداية العصر الحديث.
لكن البشرية تطورت واخترعت أنظمة جديدة منها الديمقراطي حيث السلطة للشعب، هو من يختار المسؤولين عن الحكم ويحاسبهم، وهناك دول أخرى أنشأت أنظمة سياسية وراثية، استمدت شرعيتها من المجتمع.
حديثنا اليوم سيقتصر على أنظمة العسكر الشمولية الفاشلة، والتي يزخر التاريخ العربي المعاصر بهم، بدءاً من عبدالناصر مروراً بالقذافي، ووصولاً إلى «العسكرتارية المعاصرة».
والسؤال: من أين يأتي هؤلاء العساكر بالشرعية لتولي الحكم في بلادهم؟! لنأخذ النموذج العربي الأخير، ليبيا والضابط المتمرد حفتر.
ليبيا وبعد نجاح الثوار في إسقاط القذافي، كادوا أن يؤسسوا نظاماً ديمقراطياً، لولا ظهور الخلافات بينهم، بدعم من أعداء الديمقراطية المعروفين، وكان البديل المطروح حتماً عسكرياً، ولكن هذه المرة لا تاريخ مشرف لهذا العسكري حفتر، فقد بدأ حياته العسكرية «أسيراً» في تشاد، وبعدها لاجئاً في الولايات المتحدة.
لم يكن يوماً من ضمن الثوار الليبيين ضد القذافي، ولكنه ركب الموجة متأخراً وبدعم أميركي!
عموماً، شكّل حفتر ميليشياته وعاث فساداً ودماراً في المدن الليبية، رافضاً جميع مبادرات السلام سواء التي جاء بها مبعوث الأمم المتحدة أو التي طرحتها أطراف دولية أخرى، واستمر في محاولاته العسكرية الفاشلة لإسقاط الشرعية الليبية في طرابلس، معتمداً على الدعم السخي من الداعمين له، حتى جاءت أزمة «كورونا» المستجد، وأحسّ حفتر أن الداعمين بدأوا ينفضون من حوله، منشغلين عنه بالكارثة الصحية، كما أيقن بعدم النصر على الشرعية في طرابلس، حتى إن حلفاءه السياسيين المحليين أحسّوا بذلك أيضاً، بسبب الإخفاقات العسكرية المتكررة لحفتر وميليشياته، وفي محاولة أخيرة من حليف حفتر السياسي رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، أطلق مبادرته السياسية لإنهاء الأزمة الليبية في بداية شهر رمضان، وبالطبع لم ترُق لحفتر وميليشياته، مما جعل الضابط المتمرد حفتر يفاجئ الجميع، ويعلن نفسه رئيساً لجمهورية ليبيا، بناء على طلب شعبي أو «تفويض شعبي» ليتولى هذه المهمة!
ملاحظة: التاريخ القريب زمنياً وجغرافياً يُعاد مرة أخرى في ليبيا، وأقصد تخلي العسكر عن حلفائهم بعد أن استنفذوا مصالحهم منهم!
ختاماً: يبدو أن التفويض الإلهي للحكام في العصور الوسطى بأوروبا لا يختلف عن التفويض الشعبي للعساكر في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد في الدول العربية، فكلاهما لا يمكن رفضه وإلا اتُّهمتم بالعصيان والخيانة، كما أن الحاكم لا يُساءل من قبل الشعب.
نتألم ونحن نرى وسائل إعلام ومثقفين وحكومات عصرية، تدعم هذا التخلف السياسي وتسوّق له، وأعجب من ذلك أن هذه الخزعبلات السياسية تنطلي على الشعوب، وتستبدل بجنون القذافي مجنوناً آخر كحفتر، ليتسلط مرة أخرى على رقاب الليبيين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.