الثلاثاء 21 ذو الحجة / 11 أغسطس 2020
04:09 ص بتوقيت الدوحة

بديع الزمان

119
بديع الزمان
بديع الزمان
لم يُلقّب بديع الزمان الهمذاني بلقبه هذا عبثاً، ولا نال هذا الوسام التاريخي سُدًى، بل لا بدّ من أنه ابتدع ما جعله بديع الزمان الذي غلبت قوته في نثره قوته في شعره، إلا أنها مقارنة بين قوي وأقوى لا بين قوي وضعيف. تمتاز عدسة الشاعر ببديع وصفها السابق لأوانه، فمن يقرأ يشاهد، ومن يشاهد ينسب الواصف إلى زمرة الشعراء المحدثين في بعض البصمات، لا إلى العصر العباسي؛ حيث لم تكن المدرسة التي يغرف منها بديع الزمان قد نشأت بعد. يصوّر لنا الشاعر ركباً سرى في بيداء غير معروف رسمها، بليل غير مقترب صبحه إلى المرامات الجسام والمآرب العظام، فقال فيما قال:
كأَنَّ نُجومَ الليلِ نَظّارةٌ لنا
تَعجَّبُ من آمالِنا والعوائقِ
كأَنَّ نسيمَ الصبحِ فرصةُ آيسٍ
كأَنَّ سرابَ القيظِ خَجْلةُ وامقِ
بعيداً عن تصوير النجوم بطريقة وميضها وبريقها، تارةً بخفقان القلب، وتارةً بقارورة الزئبق المرتعشة عند المعري وعنترة؛ فقد صوّر الشاعر المعنى لا المبنى، فكأن النجوم تنظر إلى هؤلاء القوم مستنكرةً عليهم أحلامهم بين كل هذه العوائق من فجاج ودياجٍ، ثم يستغرق في الأوصاف الحديثة فنسيم الصبح باعث للأمل، كأنه فرصة لتجديد حياة المستيئسين، والسراب كأنه ضحكة الخجول. إلا أنه لا يستغني عن وصف المبنى كعادة الشعراء، فيقول:
شَقَقْنا بأَيدي العِيسِ بُرْدَ فلاتِه
وبِتْنا على وَعْدٍ من الصُّبحِ صادقِ
الصورة واضحة، فمن لم يجرّب السير في رمال الصحراء، فقد جرّبه في الثلوج؛ حيث يشقّ أثر الأقدام عباءة الأرض البيضاء، سوى أن العباءة هنا صفراء سالمة إلا من الشقوق والخروق التي أحدثتها أيادي الأنعام في الرمال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المنيّة

31 مايو 2020

الشاعر الرحّالة

24 مايو 2020

عدسة مخضرمة

17 مايو 2020

التراث الحسّاني

10 مايو 2020

العدسة الزاهدة

26 أبريل 2020

ربيعُ أبي تمّام

19 أبريل 2020