الثلاثاء 21 ذو الحجة / 11 أغسطس 2020
03:09 ص بتوقيت الدوحة

العدسة الزاهدة

79
العدسة الزاهدة
العدسة الزاهدة
قد خبرنا عدسة المجنون، ورأينا قيساً هائماً على وجهه، تائهاً على غير هدى ولا رشاد ولا سداد، بقي له من الدنيا الخطى التي كُتبت عليه أن يمشيها، والعبرات أن يذرفها على إثر ليلى التي عصف بها الحظّ العاثر، وساقتها التقاليد البالية إلى زوج لا قرّت به عيناً ولا طابت به نفساً، وفي هذا السياق، نحن مع العدسة الزاهدة ذات الألوان الرمادية الباهتة، والأجواء الخريفية والأوراق المتساقطة، عدسة أبي العتاهية التي دأبت على تصوير الدنيا كهشيم تذروه الرياح، لا يكاد يروق خضارها حتى يثور غبارها، ولا توشك أن تأخذ زخرفها وتتزين لأهلها، حتى يأتي أمر الله فيجعلها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، لا ألوان تبهج النفوس، ولا عطور ولا زهور في عدسة أبي العتاهية، إنها أجراس الإنذار، ومنبّهات الغافلين، وموقظات النوّم ممن رقدوا والدنيا تسرق أعمارهم:
أَلَم تَرَ أَنَّ دَبيبَ اللَيالي
يُسارِقُ نَفسَكَ ساعاتِها
تصوير متقن لزحف المشيب على الشباب، وتقدم العمر، وحلول الضعف والشيبة، وهو أشبه باستراق ريعان المرء الغارق في سهوه ولهوه بدبيب النملة الجرداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وفي صورة أخرى للفكرة ذاتها، يقول:
وَإِنَّ امرءاً قَد سارَ خَمسينَ حجَّةً
إِلى مَنهَلٍ مِن وِردِهِ لَقَريبُ
كان عمر الشاعر الزاهد خمسين خريفاً آنذاك، وكان يتقدم إلى أجله كالظامئ الذي اقترب من ورده، إلا أن التصوير يبلغ ذروة فلاحه ونجاحه عند تسليط العدسة برهة على عالم الأموات ليظهروا لنا وكأننا نشاهد ثلاجات جثث الموتى، يقول:
يا بَرزَخَ الموتى الَّذي نَزَلوا بِهِ
فَهُمُ رُقودٌ في ثَراهُ خُفوتُ
رقود وخفوت، وهذا مبالغة في السكون والسكوت، ليست مبالغة في المنطق، وإنما في إصابة القصد وارتكاز محرق العدسة، وحمل القارئ إلى عتبة المشاهدة الحقيقية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المنيّة

31 مايو 2020

الشاعر الرحّالة

24 مايو 2020

عدسة مخضرمة

17 مايو 2020

التراث الحسّاني

10 مايو 2020

بديع الزمان

03 مايو 2020

ربيعُ أبي تمّام

19 أبريل 2020