الخميس 13 صفر / 01 أكتوبر 2020
06:18 م بتوقيت الدوحة

ثرثرة على ضفاف الأربعين

99
ثرثرة على ضفاف الأربعين
ثرثرة على ضفاف الأربعين
جعلني «الحجر المنزلي» في زمن «الكورونا» أكتشف كمية الشيب المتناثر في أطراف شعري، وعزائي بظهوره هو استطاعة ابنتي «جود» إحصاء «الشيبات» واحدة تلو الأخرى والنتيجة 29 شيبة! وما أن نطقت بالرقم حتى انتابني إحساس بالدهشة؛ إذ إنني لا أريد لهذا القطار المزدحم بالأمنيات والأحلام أن يبطئ من سرعته، فسرحت أمام المرآة التي رأيت فيها خيوطاً نسجت منوال العمر، راقبت كثبان السنين وهي تتمدّد تحت العيون كشخص يقف على قمة الهرم مطلاً على الحياة بضفتيها المتناقضتين، تتلاطم في صدره رياح الحيرة والأسئلة الأكثر إلحاحاً في الوجود.
مناسبة الحديث أنني دخلت قبل ثلاثة أيام «العقد الرابع»؛ حيث طرق أبواب هدأتي من دون استئذان، ماراً أمام ناظري شريط 39 عاماً بالأبيض والأسود، لتعبر بي اللحظات وكأنني النجم السابح في مدارات الزمن، تموج الذكريات في ذهني أشاهدها كما أنها تُبعث أمامي، كأنها قصة فصول قصيرة تقلب صفحاتها أمام عيني دون إعادات أو فواصل إعلانية، أخذت بي تلك اللحظة إلى استيعاب مدى قِصر العمر وسرعة مُضي الزمن؛ لكنني ورغم ازدحام خلايا عقلي بتساؤلات فإنني ممتنٌّ للأشياء التي حظيت بها وأرى فيها متسعاً لروح جديدة.
اليوم يقف عقرب العمر على ضفاف الأربعين، فجأة تشعر أنك كبرت، لا شيء يبدو كما كان عليه من قبل، تتساءل في سريرة نفسك هل فعلاً عشت كل السنين الماضية أم عاشتك؟ هل ما زالت الأحلام في قلوبنا على حالها أم أن كل ما بالأمر أننا أصبحنا نرى الأشياء بالألوان؟! تغالبني تنهيدة عندما أسمع من يهمس قائلاً: «في الأربعين تصبح أنت. فإذا لم تعرف نفسك وقتها، فلن تعرفها أبداً».
لا بدّ لشخص وضع أولى خطواته في العقد الرابع أن يتدبر الآية الكريمة التي جاءت كدعاء مؤثّر، وكأنها كشف حساب لنقطة انقلاب يولد فيها الإنسان «حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
لعله من المُجدي هنا أن أُقنع نفسي بالامتنان للأشياء الجميلة في حياتي، إنجازاتي وعائلتي والقرارات المهمة الإيجابية التي اتخذتها على مدار تسعة وثلاثين عاماً، وقد رمتني في أحضان الأربعين منتشياً السكينة والطمأنينة.
فاللهم اغفر لي ما مضى، واهدني فيما بقى.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا