الثلاثاء 03 شوال / 26 مايو 2020
01:49 ص بتوقيت الدوحة

استعجلوا إصلاح القطاع الأمني السوداني

60
استعجلوا إصلاح القطاع الأمني السوداني
استعجلوا إصلاح القطاع الأمني السوداني
شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، حدثاً غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث، حينما سعت مجموعة إرهابية لاغتيال رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، وقد نجا من القتل بأعجوبة، لم يكن هدف هذه المجموعة المارقة رئيس الوزراء في شخصه، بل كان المستهدف رمزيته لمشروع التحول الديمقراطي النهضوي بعد ثلاثة عقود من الحكم السلطوي الديكتاتوري، الذي أفقر البلاد والعباد، ونشر الفوضى والفساد، وأدى إلى تدني الأداء في مؤسسات الدولة كافة، ووجّه كل مقدرات البلاد لصالح مجموعة صغيرة، اختطفت الوطن لمصلحتها الخاصة.
ما زال الوقت باكرا لتحديد الجناة بصفة قاطعة، لكن منطق الأحداث يقول إن كل من له مصلحة في إجهاض مشروع التحول الديمقراطي والنهضة الوطنية يطاله الاشتباه إن لم يكن الاتهام المباشر، والمطلوب الآن تكثيف الجهود للوصول إلى الجناة الحقيقيين داخل البلاد، والمحرضين من الداخل والخارج، والجهات التي ظلت مؤخراً تشنّ من خارج البلاد حملات مكثفة للنيل من السلطة الانتقالية، ومن خلال استغلال المصاعب الحياتية التي ورثها النظام الانتقالي من النظام البائد، في محاولة يائسة لإحداث شرخ في الجبهة الداخلية، وهو هدف سيستعصي على تلك المحاولات، لأن الناس يدركون مدى الدمار الكارثي الذي حاق بالبلاد جراء سياسات النظام البائد، حتى أوصلنا لاستشراء الحروب الأهلية الداخلية، وإهدار موارد البلاد وصرفها لشراء الولاء السياسي، والفساد الذي لحق بكل المرافق حتى زال تماماً أي حاجز بين المال العام وجيوب الممسكين بزمام السلطة، هذا الميراث البائس الذي خلّفه لنا النظام البائد لن ننفك من قبضته بين يوم وليلة، ولا نتوقع من أي حكومة انتقالية أن تحقق معجزة فوق طاقة البشر، ورغم ذلك ما زلنا ننبّه السلطة القائمة إلى ضرورة الإسراع في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترشيد مفاوضات السلام بمعالجة جذور القضايا لا أعراضها الطارئة، وترسيخ قواعد المؤسسية والحكم الراشد، والاهتمام بمعاش الناس، وحقيقة أن النظام الحالي يتقبل النقد، ويستجيب لدعاة الإصلاح بصدر رحب، يقف دليلاً على أن التحول الديمقراطي بدأ يترسخ في الساحة، ويفتح صدره لمشاركات الآخرين، في صورة مناقضة تماماً لما كان يحدث في العهد السابق، حيث كان مجرد النقد البنّاء ينتهي بالمواطنين إلى غياهب السجون.
إن الذي حدث بالأمس من تفجيرات وإطلاق نار يمثل مرحلة فارقة في مسار المواجهة مع المتآمرين ضد الثورة، بعدما أرادوا هم أن ينقلوا المواجهة لهذا المستوى، فلتكن المواجهة إذن شاملة كما أرادوها، فقد سبق هذا الحادث اكتشاف خلية إرهابية في الخرطوم، يديرها أجانب، وعثرت سلطات الأمن في مقر تلك الخلية على أسلحة ومفرقعات وأحزمة ناسفة ومواد لتصنيع القنابل، وقد اعتقل أحد أفراد الخلية، بينما فرّ الباقون، فلا بد من تكثيف البحث عنهم وملاحقتهم، كما أن نشاطاً مكثفاً في مجال التحريض بدأ مؤخراً في قنوات إعلامية ومواقع إلكترونية شتى، يقوم به أشخاص ينشطون بالخارج، ولا يمارسون نقداً، أو يعبّرون عن أفكار سياسية معارضة، بل ينتهجون نهجاً تحريضياً إجرامياً، ولا بد من ملاحقتهم دبلوماسياً، والتصدي لنشاطهم العدواني الخارجي.
ومن جانب الدولة، لا بد أن تأخذ مأخذ الجد مشروع «إصلاح القطاع الأمني» الذي يتطلب إعادة هيكلة القوات المسلحة والقوات النظامية والأمنية كافة، وتمليكها العقيدة الجديدة التي تحدد دورها في حماية النظام الديمقراطي، والقبول بكل مبادئه وأهدافه، وهي ليست تابعة لأي نظام حكم، بل ولاؤها للوطن وللنظام السياسي الديمقراطي الذي أجمع عليه المواطنون، وإصلاح القطاع الأمني هو جزء لا يتجزأ من عملية التحول الديمقراطي، وهو في مصلحة القوات النظامية، لأنه يؤكد على مهنيتها وحيادها وقوميتها، مثلما يهيئ لها الأجواء لتنفيذ مهامها في استقلالية تامة، وإصلاح القطاع الأمني الناجح يتم بالتوافق بين السلطة المدنية والقطاع الأمني، ووجود شراكة الآن بين المدنيين والعسكريين هو الوقت الأفضل لإنجاز مهمة إصلاح هذا القطاع، كما أن الأحداث الأخيرة تستوجب إكمال هذه المهمة بالسرعة المطلوبة، وإذا ما تزامن إصلاح القطاع الأمني مع إزالة كل آثار النظام البائد، فإن الإصلاح سيكون راكزاً وثابت الأركان وقادراً على مواجهة التحديات كافة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.