الثلاثاء 03 شوال / 26 مايو 2020
03:05 ص بتوقيت الدوحة

جدال حول تعديل المناهج المدرسية في السودان

87
جدال حول تعديل المناهج المدرسية في السودان
جدال حول تعديل المناهج المدرسية في السودان
مع نجاح ثورة ديسمبر في الإطاحة بنظام الإنقاذ في السودان، اعتبر الثوار أن من أوجب واجبات الثورة إصلاح التعليم الذي تدهور في العهد السابق حسب رأي الثوار، ويشمل الإصلاح السلم التعليمي والمناهج ووضع المعلم، وقد صحب إصلاح المناهج اهتمام خاص باعتبارها مكرّسة للحفظ على حساب الفهم ولا تعين الطالب على الابتكار والإبداع، لاقت محاولات تعديل منهج التربية الإسلامية تحديداً، جدالاً لا يخلو من ظلال السياسة، إذ يعتبر التربويون في العهد الجديد منهج الدين الإسلامي الذي يركز على تحفيظ القرآن، مكثفاً لدرجة ترهق التلاميذ خاصة الصغار منهم، وقد يشغلهم عن استذكار مواد أخرى، ويعد الثوريون هذا الحمل الزائد من الدروس الدينية ضمن خطة النظام السابق لتوظيف الدين في الكسب السياسي، بينما يرى مناصرو النظام السابق أن المنهج ضروري حتى يلم التلميذ بمعلومات مهمة عن دينه، ويسخر الثوريون من ادعاء الغيرة على الدين من أنصار نظام أسقطه الشعب لفساده واستبداده، بينما يفنّد الرافضون لتعديل المنهج هذا الادعاء بالقول: إن فساد النظام السابق واستبداده -إن صح- فهو محسوب على الحاكمين ولا صلة له بالمنهج المدرسي، وإن حملة التصحيح المزعوم تأتي من قوى سياسية عُرفت بعدم اهتمامها بقيم التدين.
يفيد النقاش في هذا الموضوع استبعاد الاتهامات السياسية وحصره في الحجج والملاحظات التي تدعم وجهة نظر كل طرف، قد يكون أقوى أسباب الجدال هو أن التعليم في السودان قد بدأ دينياً، حيث انحصر التعليم في «الخلاوي» التي تركز على تحفيظ القرآن وتعلم بعضها التلاميذ مبادئ القراءة والكتابة، ولمّا عرف السودان التعليم الحديث ظهرت المدرسة، ليبدأ التنافس والصراع بين نظامين تعليميين كانت الغلبة فيه للمدرسة على الخلوة، وللثانويات الجديدة على المعهد العلمي، ذلك لأن التعليم الحديث اشتمل على معارف لم تعرفها المؤسسات التعليمية الدينية مثل الرياضيات والجغرافيا والعلوم واللغة الإنجليزية، ولم تغفل في الوقت ذاته الدروس الدينية، حيث يحفظ التلميذ أجزاء من القرآن وأحاديث كثيرة ويلم بمعرفة للفقه والسيرة، وبرز بعض خريجي المدارس الدينية في مجال الفكر الإسلامي كدليل على أن ما تلقوه من دروس في المدارس الحديثة قد شكل لهم ذخيرة معرفية أهّلتهم للاستزادة حين رغبوا في التبحر في العلوم الدينية. بعد أن حسم التنافس لصالح التعليم المدني الحديث، انتقل الصراع إلى مخاوف من استلاب ثقافي، لكن هذه الدعاوى لم تهزّ مسيرة التعليم الحديث، لأنه لم يهمل دروس التربية الدينية كما أسلفنا، فلم يبقَ لرافعي شعارات التأصيل غير المطالبة بزيادة الدروس الدينية في المدارس الحديثة، فتم ذلك ليجد المنهج الجديد الانتقادات التي أشرنا إليها، ومن ثم المطالبة بالتصحيح. يقود هذا النقاش إلى ضرورة مراجعة المناهج المدرسية لأهمية التصحيح والمواكبة، حتى في غير الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان الآن، ويكون التصحيح والتجديد عاماً بلا حساسيات مفتعلة تجاه مادة بعينها، حيث لا يصعب الاتفاق على ما ينبغي أن يعرفه التلميذ من أساسيات دينه، لينصرف الجميع إلى إصلاح تعليمي كامل يشمل المناهج التي لا تنحصر في الدروس الدينية وحدها، والعمل على إعداد مناهج دالة على المعارف ومعينة على التفكير والاستنتاج والابتكار، مستفيدين من تجارب آخرين حققوا نهضة مشهودة من خلال مناهج تعليمية متقدمة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.