الثلاثاء 03 شوال / 26 مايو 2020
03:51 ص بتوقيت الدوحة

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

68
الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع
الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها للحريات، هذا يعني أن هذه الأركان الغائبة تعود تلقائياً بعودة الديمقراطية، وأن أي تدابير مقيدة للعودة التلقائية لأي ركن ديمقراطي تتعارض مع الإيمان المبدئي بالديمقراطية كمنظومة متكاملة.
نبدأ باستقلال القضاء، كان القضاء في السودان في عهد حكم الإنقاذ مسيّساً، تقيده تدخلات الحزب الحاكم، لذا لم تكن المعارضة تثق في أحكام القضاء آنذاك، لذا لم ترفض المعارضة محاكمة الرئيس البشير أمام محكمة خارجية، وبعودة الديمقراطية، استعاد القضاء استقلاليته كاملة، فلا تجوز محاكمة أي مواطن سوداني أمام محكمة خارجية، وإلا فإن العهد الديمقراطي الجديد يشكك في استقلالية قضائه، وعليه يفترض محاكمة البشير أمام القضاء السوداني بلا فرق بين الاتهامات الموجهة إليه حول جرائم الحرب في دارفور وحيازته عملات أجنبية حوكم بالفعل عليها أمام القضاء السوداني.
أما عن تقييد التعددية الحزبية في عهد الثورة، فقد عرفت في عهد الإنقاذ سيطرة حزب المؤتمر الوطني حتى صار الحزب الأوحد، رغم وجود أحزاب أخرى قُصد بها إكمال الشكل الديمقراطي بمنافسة الحزب الحاكم في انتخابات صورية أعدت نتائجها سلفاً، وبلغت الغطرسة بالحزب الحاكم أن «يتنازل» عن بعض الدوائر لأحزاب حليفة تنال بضع دوائر يتعطف المؤتمر الوطني على تلك الأحزاب، كانت انتخابات النظام مزورة تحول بين الشعب وإرادته في اختيار ممثليه في البرلمان أو مرشحه للرئاسة، أما وقد عادت الديمقراطية فإن الشعب حر في اختياره بلا تدخل من السلطة، لكن حظر حزب المؤتمر يقيّد جزئياً الإرادة الشعبية الحرة، ولا يتسق مع مبادئ الديمقراطية، لذا كان من الأفضل ترك تقييم حزب المؤتمر الوطني للشعب، فيمنحه دائرة واحدة فقط في السودان كله إذا أراد، أو ثلاثين إذا رأى، أو يحرمه تماماً من دخول البرلمان، وفي كل الأحوال، هي إرادة الشعب المعبرة عن روح الديمقراطية.
يرتبط بملف التعددية والانتخابات الحرة أيضاً ملف السلام، فإذا حال تزوير الانتخابات دون وصول قادة الحركات إلى مواقع قيادية يديرون منها شؤون أهلهم المظلومين، فإن الديمقراطية والانتخابات النزيهة تمكن عبدالعزيز الحلو وجبريل إبراهيم وغيرهم من قادة الحركات المسلحة من خوض انتخابات نزيهة تمكنهم من حكم جنوب كردفان أو دارفور أو السودان كله إذا كان هذا هو قرار الناخبين عبر صناديق الاقتراع، لذلك تسقط ذريعة الاستمرار في حمل السلاح حتى بعد سقوط نظام الإنقاذ ومجيء نظام ديمقراطي حر يقر بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.
وفي مجال الحريات، كانت الحريات مقيدة إلى حدٍّ كبير، وبعودة الديمقراطية لا يجوز أن يرتبط العهد الديمقراطي بهذه السُّبّة ولو كانت تدابير ديكتاتورية مؤقتة بحجة تأمين النظام أو معاملة رموز النظام السابق بالمثل، ففي ذلك مفارقة للمبادئ الديمقراطية التي لا تتجزأ، لكن عهد الثورة الديمقراطية وقع في الخطأ ذاته حين عطل صحيفة «السوداني»، بدعوى قربها من النظام السابق، فلما ووجه أصحاب القرار بتعارض الأمر مع مبدأ الحريات، زعموا أن التعطيل كان بسبب الاشتباه في مصدر التمويل، ثم عاودت الصحيفة الصدور بعد احتجاجات قوية من الحادبين على الديمقراطية ومبدأ الحريات.
هذه أمثلة لبعض التشوهات التي لم تؤثر في جوهر التغيير الذي حدث في السودان، ومع ذلك لا بد من التنبيه على مواطن الخلل -وإن صغر- حماية لهذه الثورة العظيمة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.