الثلاثاء 03 شوال / 26 مايو 2020
02:25 ص بتوقيت الدوحة

التطبيع في «الواتس آب»

92
التطبيع في «الواتس آب»
التطبيع في «الواتس آب»
نقل لي أحد المهتمين بتاريخ الاستعمار البريطاني في إفريقيا، أن بريطانيا كلّفت أحد خبرائها في الاستخبارات بدراسة خصائص شعوب بعض مستعمراتها -كان السودان من بينها- خلصت الدراسة إلى أن هذه الشعوب لا تصل إلى خلاصة.
اختبرت هذه المعلومة عدة مرات خلال نقاشات شخصية مع معارف وأصدقاء، فعجبت للمتاهة التي نتطوع بالدخول فيها لانعدام منهج موضوعي للنقاش، وغرقنا في تفاصيل غير مهمة أو انصرافنا لنقطة فرعية تهدر كثيراً من الوقت والمساحات، واكتشفت -بحكم تأثري بالثقافة التي عناها الباحث البريطاني- أنني أسير للمنهج العشوائي الذي لا يمكن أن ينتج خلاصة، فصرت أتابع بوعي طريقتي وطريقة الآخرين في النقاش لعلّي أعالج الحالة أو أخفف من آثارها.
كان آخر اختبار أخضعت له المعلومة المذكورة هو النقاش الدائر بقوة هذه الأيام في مجموعات «الواتس آب» لقرار السودان بدء التطبيع مع إسرائيل، على إثر اللقاء بين الرئيس السوداني عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
تمسكت بنقطة مهمة أثارها أحد المتداخلين لعلها تكون محور نقاش موضوعي، وهي أن ينبني تقييم الخطوة بمدى ما تحققه من مصالح للسودان، لكن سرعان ما هوجم البرهان لمخالفته الوثيقة الدستورية، وعدم إطلاعه مجلس الوزراء بخبر الزيارة مسبقاً، ثم هجوم عام على العسكر الذين لا ينتظر منهم خير، والدعوة لليقظة لحماية الثورة من تغول المكون العسكري في مجلس السيادة. طالبت بالعودة إلى النقطة الجوهرية في النقاش، وافترضت جدلاً أن البرهان قد أطلع مجلس الوزراء على الخطوة، فهل يؤيد أعضاء (المجموعة الواتسابية) الخطوة إذا تمت بالتوافق بين العسكريين والمدنيين باعتبار أنها تحقق مصلحة سودانية ضرورية؟
تجاهل أول المتدخلين طلبي الواضح، ليقول إن هذه الخطوة اللعينة -حسب وصفه- سوف تُفقد الخرطوم لقب «عاصمة اللاءات الثلاث»، والتقط مناقش القفاز ليذكر بلقب آخر للعاصمة السودانية هو عاصمة الصمود، وقال إنه يفضله على لقب اللاءات، ليدور جدال لم يطل عن أي اللقبين أفضل، ثم عاد آخر لشكليات اللقاء بين البرهان ونتنياهو، ليقرر أن قراراً بهذه الخطورة ينبغي أن تتخذه الحكومة المنتخبة المقبلة لا هذه الحكومة الانتقالية، الشيء الذي أجبرني على إعادة تساؤل سبق أن طرحت مثيله وهو: هل يقبل هذا المعترض قرار التطبيع لو اتخذته حكومة منتخبة؟ ثم أردفته بآخر هو أن البرهان قد زعم أنه قصد بهذه الخطوة إخراج السودان من العزلة الخانقة التي تُعرض الاقتصاد السوداني للانهيار، فهل يصمد الاقتصاد المنهار قرابة ثلاث سنوات لحين تحقيق شرط وجود حكومة منتخبة؟ وفوجئت بأن الذي يشترط صدور القرار بعد الفترة الانتقالية، يرفض الخطوة ولو أتت من حكومة منتخبة، لأن الموقف المؤيد للحق الفلسطيني من الثوابت الوطنية، وهاجمه مناقش جديد ترك كل هذه النقاط غير المتسقة، ليضيف أخرى غير ذات صلة، حين وصف المناقش الأخير بأنه ينتمي لحزب «كرتوني» لا تملأ كل عضويته في العاصمة حافلة واحدة، فانبرى له آخر وأوسعه شتماً، ولم تسلم من لسانه إسرائيل والفلسطينيون ولا البرهان أو حمدوك، مدعياً أن كل أمورنا «بايظة».
أحسست أن الأجواء التهبت، فحاولت إعادة النقاش إلى مسار منظم.. إذ يبدو أن تقديراتي بعودة الهدوء لساحة النقاش كانت خاطئة، وأن معركة حامية قد بدأت، وأن ضبط مسار النقاش للوصول إلى خلاصة أصعب بكثير من تحقيق شعار «الأرض مقابل السلام».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.