الأربعاء 04 شوال / 27 مايو 2020
01:58 ص بتوقيت الدوحة

الإصلاح والمصالحة في مقابل الثورة والاستقطاب

84
الإصلاح والمصالحة في مقابل الثورة والاستقطاب
الإصلاح والمصالحة في مقابل الثورة والاستقطاب
قبل أن أرجّح أحد الخيارين المتقابلين في عنوان المقال، لا بُدّ لي من أن أنبّه إلى ضرورة التفكير الكلي الذي يدرك صاحبه حتمية الأخذ بـ «المنظومة» بأكملها، فيعرف مسبقاً استحقاقات الخيار وأثمانه وأعباءه، بدلاً عن الوقوع في خطأ التفكير الجزئي الذي يتوهّم صاحبه إمكانية الأخذ بخيار، ثم سدّ ثغراته باستعارة مزايا الخيار البديل. وعليه، فليس ثمة فرصة لمن اختار الديمقراطية كمنظومة متكاملة، أن يحاول التخلص من الاستحقاق الديمقراطي المتمثل في الأخذ والرد وسماع الآراء المتباينة، باستعارة بعض أدوات الشمولية من أجل الإسراع، مثلما يستحيل على من فضّل النهج الثوري أن يستعير أدوات ديمقراطية تجنّباً لاحتمالات التهور التي تهدّد الثورة.
ليس من خلاف على أن اقتلاع نظام «الإنقاذ» في السودان فعل ثوري، وعليه لا يُنتظر أن يصدر عن الثوار نهج إصلاحي وتصالحي، فلا تستغرب منهم قرارات قوية عاجلة تكسح وتطهّر وتحلّ وتفكّك، ولا يقلّل من أهميتها وضرورتها أنها قد تشمل أبرياء هم ضحايا وشايات وبلاغات كاذبة من خصوم استغلوا أجواء الثورة الصاخبة؛ لكن ما لا ينتبه إليه الثوار هو أن الضرر لا يقف عند ضحايا قلائل قد يعدّون عرضاً حتمياً لقرار ثوري حاسم، بل يمتد إلى أهداف الثورة العليا، وذلك بالانشغال عنها إلى أهداف أدنى، أو أن يطول أمد الثورة بصخبها وضجيجها وطبولها حتى يفاجأ الثوار أنهم مواجهون بمهمة إعداد الميزانية التي لا مجال فيها لغير الأرقام، ولا فرصة فيها لأهزوجة ثورية لسد العجز الذي تفضحه الأرقام.. هنا يتجدّد الحديث عن «الثورة والدولة» الذي يطول ويُعاد؛ ذلك لأن الثورة بعنفوانها يصعب أن يوضع لها حدّ تقف عنده، لتبدأ مرحلة بناء الدولة؛ لذا تتعدّى الثورة حدودها حتى تصير عبئاً على بناة الدولة وحتى تتحول إلى خيبة في نفوس الثوار.
أعيد إلى ذاكرة القارئ «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا وثورة «الساندينستا» في نيكاراغوا.. تذكرون تلك المشاهد الملهمة في كييف، وقد أضفى اللون البرتقالي سحراً على الثورة حتى أصدر الكاتبان آسلاند وماك فول كتابهما ذا الاسم الشاعري «ثورة بلون البرتقال»؛ لكن من منّا كان يصدّق أن الثوار أنفسهم الذين تغنّوا باسم ملهمهم يوشينكو قد أسقطوا يوشينكو في أول انتخابات؛ فالدولة لا تبنيها معاول الثورة التي هدمت القديم، والثوار ينتظرون من حكومتهم إفطاراً للصغار وكتباً للمدارس وفرص عمل لا توفرها أهزوجة أو قصيدة ولا علم بلون البرتقال.. أما قائد «الساندينستا» دانيال أورتيجا، فقد بدا قديساً يصعب المساس بسيرته ومسيرته وهو يقود زحف الثوار المقدّس نحو العاصمة مناغوا لإسقاط الدكتاتور سوموزا، حتى تمكّن الثوار من هدفهم في يوم تاريخي مشهود؛ لكن القديس سقط في أول محاولة للتجديد الرئاسي، لا لشيء سوى أن الثائر قد استنفد أغراضه وانتظر الشعب سياسياً يلبّي حاجات الناس بعيداً عن الشعارات الشاعرية.
لقد أكملت الثورة السودانية مسارها بإسقاط نظام «الإنقاذ» واختيار حكومة تمثّل الثوار وتعبّر عن تطلعاتهم، لكن يبدو واضحاً -وهذا ما يبعث على القلق- أن الثوار يطيلون عمر الثورة ويرتبكون في ترتيب أولوياتها؛ فقد فاجأ الثوار حكومة الثورة بـ «مليونية» تطالب بالتعجيل باختيار رئيس القضاء والنائب العام، وكأن الثوار يديرون الدولة حتى بعد تشكيل حكومة الثورة، ويتدخل الثوار في الميزانية وكأن الذي أعدّها ليس خبيرهم الذي اختاروه والذي تشاور في وضع الميزانية مع رئيس الوزراء الذي أصبح رمزاً للثورة.
ولا يعرف الثوار ترتيب الأولويات؛ حيث يُفترض أن يأتي الانصراف لبناء الوطن أولاً، لكن النفس الحار للثورة يجعل ملاحقة رموز النظام السابق الهدف الأعلى للثوار، فيزعجهم جداً أن زيداً قد تأخّر اعتقاله أو أن عمراً قد تخفّف عقابه أو أن تلك المؤسسة قد تأخّر تفكيكها.
هذه الأجواء تمتد أضرارها إلى حكومة الثورة، كما أسلفت، إذ يصعب عليها جداً الاستفادة من خبرات مهنية عملت في النظام السابق من منطلق مهني لا من خلفية فكرية..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.