الجمعة 18 صفر / 18 أكتوبر 2019
02:12 ص بتوقيت الدوحة

المناصب لا تدوم لأحد

59
المناصب لا تدوم لأحد
المناصب لا تدوم لأحد
عجباً لبعض بني البشر، ما أن يتولى الواحد منهم منصباً مرموقاً في إحدى الدوائر التي تُعنى بشؤون الناس حتى يسدل الحجب على مكتبه ويتوارى عن الأنظار، وينتقي سكرتيراً يجيد المراوغة والدهاء لتصريف المراجعين ولا يسمح بدخول أحد إلى صومعة هذا المسؤول الهمام، إلا المهنئين من الأقارب والأحباب ليحكي لهم قصة كفاحه المرير الذي أوصله إلى هذا الكرسي الوثير، ونسي هذا المسكين أن هذا الكرسي لا يدوم لأحد.

نعم المناصب والكراسي لا تدوم لأحد، فقد قرأت في وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً قصة مؤثرة لحاكم ولاية كاليفورنيا الأميركية الثامن والثلاثين أرنولد شوارزينجر، الذي قام بنشر صورة له وهو نائم في الشارع تحت تمثاله الشهير المصنوع من البرونز، وكتب بحزن: «تأمّل كيف تتغير الظروف، ليعلم الجميع أنه لا أمان للزمن»، وسبب كتابته للجملة ليس فقط لأنه كبر في السن، لكن لأنه عندما كان حاكم ولاية كاليفورنيا قام بافتتاح الفندق الذي يوجد التمثال أمامه، والمسؤولون عن الفندق -وقتها- قالوا لأرنولد: «في أي وقت يمكنك المجيء ولك غرفة محجوزة باسمك مدى الحياة». وعندما ترك أرنولد الحكم وذهب للفندق، رفضت الإدارة إعطاءه الغرفة بحجة أن الفندق محجوز بالكامل!

فأحضر غطاء ونام تحت التمثال، وطلب من الناس أن يصوروه؛ إذ يريد من خلال تلك الصورة أن يبعث رسالة مهمة، هي أنه عندما كان في السلطة وله منصب كان الجميع يجاملونه وينافقونه ويتقربون منه، ولمّا فقد هذا المنصب نسوه ولم يوفوا بوعودهم له.

كل شيء في هذه الحياة لا يدوم، لا العمر ولا الجمال ولا الصحة ولا المنصب، فلا يغتر الإنسان بنفسه كثيراً ولا يتفاخر أمام من لا يملك إلا القليل، فما دامت حياة المرء قصيرة يبقى الأثر الطيب والعمل الصالح والأخلاق الحميدة ترفع من مقامه وشأنه في الحياة وبعد الممات.

وفي اعتقادي إذا وثق المرء بالكرسي عليه ألا يثق بالأرض التي تحمل هذا الكرسي، فالمتغيرات كثيرة، ويمكن أن تخلع صاحب المنصب من كرسيه كما يخلع المسمار من الخشب، والأمثلة كثيرة، نراها دائماً لأصحاب المناصب، فهناك من عُزل عن منصبه بسبب أو من دون سبب، وهناك من تقاعد عن العمل بحكم عمره، وهناك من فارق الحياة وترك منصبه؛ فالإنسان المزيف والمنافق هو من تتبدل أخلاقه مع المنصب، أما الإنسان الذي لديه قناعاته الخاصة بأن الأخلاق والمعاملة الطيبة والأثر الجميل الذي يتركه صاحبه هو الحكم، وهو المحرك القوي والدافع ليكون من حوله الأفضل والأحسن، يدرك أن الكراسي زائلة ولن تدوم لأحد، بينما محبة الناس وكسب رضاهم هي الباقية والدائمة؛ لذلك احرص يا صاحب الكرسي على أنك تأخذ قلوب الناس ومحبتهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

أسبوع السعادة

22 سبتمبر 2019

سرعة الاستجابة

15 سبتمبر 2019

المتقاعد ثروة بشرية

01 سبتمبر 2019

بريد القرّاء

18 أغسطس 2019