الجمعة 18 صفر / 18 أكتوبر 2019
02:37 ص بتوقيت الدوحة

نهاية أطول رحلة اقتصادية

63
نهاية أطول رحلة اقتصادية
نهاية أطول رحلة اقتصادية
تخيّل معي قصة عروسين شابين يقضيان عطلة شهر العسل بعد قصة حب استمرت لأعوام، وهما في نهاية هذه العطلة وبعد فترة من السعادة والمرح والسفر واكتشاف مناطق جديدة والتفاؤل بمستقبل مشرق ينويان العودة للديار مرة أخرى لبدء حياتهما الطبيعية، فيكتشفان أن حجوزاتهما قد أُلغيت وأنهما لا يستطيعان العودة لبلدهما بالتذاكر التي معهما، فتنهار كل أحلامهما في دقائق معدودة. هذا ما حدث بالضبط للمسافرين الحاجزين عبر أشهر شركات السياحة في العالم وأقدمها على الإطلاق، وهي شركة «توماس كوك».

الاثنين الماضي، أعلن بيتر فانهاوزر المدير التنفيذي لشركة «توماس كوك» إفلاس الشركة وتولّي الحكومة البريطانية السيطرة عليها، لتعلن الحكومة في وقت لاحق القيام بأكبر عملية إجلاء منذ الحرب العالمية الثانية بتخصيص 40 طائرة لمدة أسبوعين من أجل نقل أكثر من 150 ألف مسافر علقوا في بلدان مختلفة بسبب إلغاء حجوزاتهم مع شركة «توماس كوك» الشهيرة.

تعدّدت التحليلات في بيان أسباب انهيار الشركة البريطانية التي تجاوز عمرها 175 عاماً. فبينما أرجع بعضهم ذلك إلى أسباب سياسية مثل أزمة «البريكست» وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي وضبابية الموقف الحكومي وسط الخلافات المتواصلة بين البرلمان والحكومة البريطانية، أرجع آخرون انهيار الشركة إلى أسباب اقتصادية؛ مثل انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني في سوق العملات مقابل الدولار.
لكن في الحقيقة، فإن هذه الشركة العريقة التي أسّسها توماس كوك عام 1841 قاومت عديداً من الكوارث الطبيعية والاقتصادية؛ مثل الحرب العالمية الأولى، والثانية، والكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، والأزمة المالية العالمية، والرهن العقاري في عام 2008، وأزمات اقتصادية وسياسية أخرى كثيرة لم تتخذ الخطوات اللازمة لتواكب عصر التكنولوجيا واستخدام التقنيات الحديثة في مجال السفر والسياحة، على الرغم من ظهور شركات صغيرة استطاعت في وقت قصير السيطرة على جزء كبير في هذا المجال.
فشركة «توماس كوك» حتى الآن لا تزال تستخدم الأدوات التقليدية في الحجز والسفر وتخطيط الرحلات، وتعتمد بشكل كبير على افتتاح الفروع التقليدية في أكثر من مكان، في وقت أصبح فيه الفرد يستطيع أن يخطط لرحلة سياحية متعددة المحطات والبلدان خلال دقائق دون أن يتحرك من مكانه عن طريق تطبيقات الهاتف الأخرى، حتى وصلت ديون الشركة إلى أكثر من مليار جنيه إسترليني.
ذكرتُ في مقال سابق بعنوان «حروب التكنولوجيا» كيف تحولت المنافسة بين الشركات في ظل التطوّر التكنولوجي من منافسة تقليدية تعتمد على المكسب والخسارة إلى حروب بالمعنى الحقيقي لديها كثير من الضحايا، سواء ضحايا مالية أم ضحايا بشرية، عن طريق خسارة كثير لوظائفهم. وتساءلت في نهاية المقال عن الضحية التالية نتيجة استخدام التكنولوجيا. ولكن للأسف الإجابة كانت أقرب مما تصوّرنا جميعاً، بنهاية «توماس كوك» أقدم شركة سياحة على وجه الأرض.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.