الأربعاء 18 محرم / 18 سبتمبر 2019
11:25 م بتوقيت الدوحة

الصين ترسم خطوطها الحمراء

144
الصين ترسم خطوطها الحمراء
الصين ترسم خطوطها الحمراء
خلال العقود القليلة الماضية، اختلف تعامل الإدارات الأميركية مع الصين تبعاً لاختلاف الظروف وتوجّهات الرئيس المنتخب. وقد تنوعت هذه السياسات بين الاحتواء والعزل قبل الاعتراف رسمياً ببكين، ثم انتقلت إلى سياسة التطبيع، ومنها لاحقاً إلى سياسة الانخراط والاندماج والمساعدة. بلغت العلاقات الإيجابية أوجها ربما بين الطرفين في عهد إدارة كلينتون، حيث وافق الأخير على أن تصبح الصين شريكاً تجارياً دائماً فور دخولها منظمة التجارة العالمية، وهي نظرة مختلفة تماماً عن خلفه جورج بوش الابن الذي عرّف الصين على أنها منافس استراتيجي.

خلال عهد أوباما، انخرط الأخير في سياسة «الحوار الاستراتيجي والاقتصادي» مع الصين؛ لكنّه قام في الوقت نفسه بنقل الثقل الأميركي من الشرق الأوسط إلى منطقة آسيا-الهادي في ما عُرف باسم «التمحور باتجاه آسيا»؛ لتحقيق «إعادة توازن» في العلاقة بين الطرفين. مع مجيء إدارة ترمب، انتهج الأخير سياسة جديدة تُوصف بأنها خليط من الأولوية والاتفاق والتوازن والانخراط؛ لكن هذه السياسة أخذت طابعاً صدامياً من خلال ما بات يُعرف باسم «الحرب الاقتصادية»؛ فترمب يرى أن الصين تحقق كثيراً من الفوائض المالية بشكل غير عادل من خلال علاقتها التجارية مع الولايات المتحدة الأميركية.

أمام الضغوط المتعلقة برفع الجمارك على عدد كبير من السلع المستوردة من الصين، ومقاطعة بعض الشركات الصينية العملاقة كـ «هواوي»، وفرض عقوبات على شركات صينية أخرى؛ تعاملت الصين بعقلانية مع هذه التطورات التي تمثّل انقلاباً حاداً في السياسات التقليدية الأميركية؛ فبكين في نهاية المطاف لا تريد أن تكون في موقع تصادمي مع واشنطن في مرحلة دقيقة للغاية من صعودها الإقليمي والدولي؛ لأن مثل هذا الأمر قد ينتهي بخسارتها كل المكاسب التي حققتها خلال العقود الماضية، لا سيما الاقتصادية منها؛ لكن كان لافتاً تأكيد الصين مؤخراً على عدم التهاون في مسألة واحدة فقط وهي تايوان.

يحتل ملف تايوان الأولوية في السياسة الخارجية الصينية، وهو موضوع شديد الحساسية يعود لأكثر من نصف قرن إلى الوراء، وهي تسعى إلى إعادة دمج الجزيرة بالوطن الأم من خلال استغلال الصعود الاقتصادي والسياسي والعسكري للبلاد بوصفه أمراً واقعاً. ومع ذلك، فهي لا تستبعد احتمال استخدام القوة إن اضطُرت إلى ذلك، حيث يرى البعض أن نزعة تايوان إلى الاستقلال قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انتفاء شرعية الحزب الحاكم في الصين أو حتى الإطاحة به. قبل فترة وجيزة، قرّر ترمب زيادة الضغط على الصين من خلال الموافقة على بيع أسلحة بوتيرة أسرع لتايوان وإقرار صفقة بقيمة 2.2 مليار دولار.

رد فعل الصين كان مختلفاً هذه المرة؛ إذ إنها قالت إنها ستفرض عقوبات على الشركات الأميركية التي تبيع تايوان الأسلحة. وبالرغم من أن القرار قد لا يكون له انعكاسات جدية، فإنه يُظهر موضع الخطوط الحمراء الصينية، وهي خطوط تتعلق بكل ما من شأنه أن يرتبط بنزاعات انفصالية وبنفوذ الصين في محيطها الإقليمي. إن افتراض سيطرة الصين على العالم قد يكون مبكراً جداً لأوانه؛ لكن الأكيد أن نفوذها الإقليمي آخذ في الازدياد، لا سيما على الصعيد العسكري، وذلك في مرحلة تعاني فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها من تراجع في القوة والنفوذ. غالباً ما تؤدي هذه المعادلة إلى صدام مباشر. لكن في وقت تقول فيه الأطراف المختلفة إنها لا تريد الحرب، يبقى التساؤل قائماً: هل ستنجح الصين في فرض خطوطها الحمراء في ذلك المكان من العالم؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.