الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
10:09 ص بتوقيت الدوحة

أسواق العرب

68
أسواق العرب
أسواق العرب
تمثِّلُ الأسواقُ في الحضارة الإنسانية مرفقًا مهمًّا، يعكس تقدُّمَ المجتمعاتِ ونِتاجَها الاقتصادي، كما يعكسُ أبعادًا أخلاقيةً، تتمثلُ في مدى أمانة الشعوبِ وتسامُحِها. عرفت الحضارة العربية التسوقَ منذُ أمدٍ بعيدٍ؛ فقد اشتهرتْ فيها أسواقٌ معروفة كان الناسُ يفِدونَ إليها، وكانتْ لها مواسمُ معروفةٌ.

غير أن أسواقَ العربِ لم تكُ لتبادل السلع فحسب، بل كانت مواطنَ ثقافية وسياسية واجتماعيةً؛ ففيها ازدهرَ النقدُ الأدبي وجوّدت القصائدُ، وعلى هامشها أقيمتْ حلقاتُ العلمِ واشتدّتْ المناظراتُ بين العلماءِ في كل الفنونِ. وبين أزقة الأسواقِ، نُسخت الكتبُ، وأُبرِمت التحالفاتُ السياسيةُ، ودبِّرت مكائدُ الحكمِ.

وكان لكل سوقٍ زمنٌ يفتحُ فيه أبوابه. كما وُجدتْ أسواقٌ دائمة دائبة الحركةِ، تغذي الحياة أوصالها، بكل ما يبهر العقل ويستهوي الأنفس. ومن الأسواقِ الشهيرة لدى العرب؛ سوقُ دومة الجندلِ، وكان موسمُها يبدأُ من أول يومٍ من شهرِ ربيعِ الأول إلى النصفِ منه، ثم تخِفُّ حركتُها فلا تزالُ قائمة إلى رأس الشهرِ.
ومن هذه الأسواقِ، سوق المُشقَّر بهجر، ويبدأ موسمُها من أولِ يومٍ من جمادى الآخرة إلى آخرِ الشهرِ، ومنهُ سوقُ «صُحار»، وهي سوقٌ موسمية مدَّتُها الليالي الخمس الأولى من شهر رجب، وتقع صُحار في عُمان. وقد كانت للعربِ سوقٌ يؤمُّها تجارُ السندِ والهندِ وتسمى سوق «دَبَا» ويبدأ موسمُها من آخر أيام رجب. هذا، إلى جانب سوقِ الشِّحْر وسوقِ عَدَن وسوقِ صنعاء. وقد كان سوقُ صنعاءَ خاصًّا برمضانَ. أمّا أعظمُ أسواقِ العربِ فسوقا الرابية وعكاظ. وتقع الرابية بحضرموتَ، وعكاظُ بأعلى نجدٍ قريبًا من عرفات.

كانت هذه الأسواقُ موسمًا يستعرضُ فيها الخطباءُ قدراتهم، ويجدُ الشعراءُ جمهورًا يلقونَ عليهِ ما جوَّدوه من الأشعارِ، فيؤوبُ الناسُ إلى أحيائهم وقدْ وعوا عن أهلِ الكلمة أقوالهم.

مارس العربُ ألوانًا من البيوعِ، ومن أَطرفِها بيعُ الملامسةِ، وبيعُ الهمهمةِ. أما الملامسة فأَنْ يُومئَ بعضُهم إلى بعضٍ، فيتبايعون ولا يتكلمون حتى يتراضَوا إيماءً. وأما الهمهمة فهي ألا يحلفُ أحدُهم أنه على كذبٍ إن زعم المشتري أنه قد بدا له.

أما اليوم، فديارنا عامرة بالأسواق، وغاصّة بكل ما لذّ وطاب، وبكل ما يستهوي الأنفس، لكن، ما أحوجنا إلى أسواق تغذّي أرواحنا وفكرنا وعقولنا، ننير بها مجتمعاتنا ونبحر في عوالم المعرفة والتحضر، ونسمو بقيمنا وأخلاقنا، ونصدّرها إلى كل زائر وعابر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

السعادة الحقيقية

25 أغسطس 2019

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019

مفاهيم تثاقفية

21 يوليه 2019