الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
01:28 ص بتوقيت الدوحة

حين ترهق الأفكار

67
حين ترهق الأفكار
حين ترهق الأفكار
هل طرقَ مسمعَكَ يومًا أن الأفكارَ تُرهقُ؟ وهل تبادر إلى ذهنك أن أفكارك التي تضطرب في عقلك وخَلدك تتعَبُ؟ أما تخيلت لحظة أن الفكرة زهرة قد تذبل وتموت؟ أرى أمارة الاستغرابِ قدْ علتْ وجهَكَ، وصبغت ملامحك، مهلًا، على رُسلِكَ. أوَ ليستِ الأفكارُ نِتاجَ عقلِ الإنسانِ وجهدِه؟ أو ليسَ الإنسانُ يمرُّ بأطوارِ الحياةِ؛ نموًا في الطفولةِ، وتوصيلًا في الشباب، وضعفًا في الشيخوخةِ؟
الأفكارُ تُبذرُ لتثمرَ، فتزهر، فتستوي أو تذبُل. ولكن كيف للفكرة أن تذبُل؟ وكيف لها أن تبقى دائمة الثمرِ والتجددِ؟ يرى جوهان هويزينغا Johan Huizinga أنَّ أي أمة من الأممِ، حينما تقفُ حيرى في التعاطي مع مصدرِ إلهامِها الأخلاقيِّ، وتبدأُ في اللفِّ والدورانِ حولَ ذاتِها، مراوحة مكانَها بلا قدرة على فتح آفاقٍ فكرية جديدةٍ، فإن ذلك دليلٌ على نفادِ مخزونِها الفكريِّ، وأنَ الأفكارَ التي كانت تتغذى عليها قد أصبحت مرهَقَة مستنزَفَةً.
الأفكارُ تصابُ بالإرهاقِ والموت إذا أصيبتْ بجملة أدواء:
أوّلُها: الداءُ المنهجيُّ، وهو داءٌ يعتري الفكرة حينَ تتزيّى بزي الإطلاق، ويزعُمُ صاحبُها أن وجهَ الحقِّ محصورٌ في فكرَتِهِ وحدَها لا شريك لها، وينسى أن الزمنَ دوّارٌ، وأنّ ما يحصُلُ الآن قد لا يحصل في آن آخر، وأن الاستنتاجَ مبني على المعطياتِ، والمعطياتُ تتغيرُ وتتبدلُ وفق الظروف ومقتضيات الواقع، وأنه لا صحيحَ على نحو مطلق سوى الوحي.
وثانيها: داءُ الغبَشِ الأُسلوبيّ، فقد تنضَجُ الفكرةُ، ويستوي عودُها، ثم يظلمُها الكاتبُ بأنْ يُلبِسَها لباسُ الوحشية والتكلُّفِ والتعقيدِ حتى يطمِسَ محاسنَها ويواري لمعانها وبريقها، ويبقيها في مكانٍ سحيقٍ.
وثالثها: داءُ المثالية المطلقَةِ، فبعضُ الأفكارِ تموتُ؛ لأَنها -في أَصلِها- لا تراعي عوامل الإمكان، ولا تقيَّمُ، ولا تمتلك شروط التحققِّ، فهي وهمٌ. وهذا ما عبّر عنه مالك بنُ نبي في قوله: «إنّ لكلّ فكرة جانبينِ؛ جانبُ الصحةِ، وجانبُ الصلاحِيَةِ، فقد تكون فكرة ما صالحةً، وليست صحيحةً، وقد يحدثُ عكس ذلك».
وإذا تعاضد المنهجُ والأسلوبُ والإمكانُ، خرجتِ الفكرةُ، وأينعت، ونمتْ، وأثمرَتْ. وإذا اختلَّ أحدُ هذه الأضلاعِ، ذبُلَتِ الفكرةُ، وخارت، وافترسَها الإرهاقُ، وأطاحها، فكأنها لم تكن. فرفقًا بأفكاركم، تعهّدوها كما تتعهدوا شجرة غضة، فبتعهدكم تنتج أطيب ثمر، يرضيكم ويسعدكم ويرتقي بكم نحو الخير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019

أسواق العرب

30 يونيو 2019

الأرواح

23 يونيو 2019

عيوبٌ حميدةٌ

16 يونيو 2019

درس الصيام

02 يونيو 2019