الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
03:04 ص بتوقيت الدوحة

هل هي «خلّاقة» ومن خلّقها؟!

324
هل هي «خلّاقة» ومن خلّقها؟!
هل هي «خلّاقة» ومن خلّقها؟!
ربما كان مصطلح «الفوضى الخلاقة» من أكثر المصطلحات التي تم تداولها خلال هذا العقد منذ مطلعه، وحتى الآن.
يُنسب المصطلح لكوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية أيام جورج بوش (الابن)، الذي سجّل الفشل الأكبر لأميركا منذ عقود؛ هو الذي تسلم من سلفه كلينتون إمبراطورية في ذروة الصعود، فسلّمها لمن بعده في حالة بائسة، بعد مغامرات حمقاء في العراق وأفغانستان.
حين تسلّم بوش رئاسته عام 2001، كانت أميركا سيدة العالم بلا منازع، فقاد مسيرة التراجع، ليبدأ صعود القوى الأخرى، وليتحوّل المشهد الدولي عملياً من صيغة «الأحادية الأميركية» إلى «التعددية القطبية»، وإن بقي التفوق الأميركي الذي يمكن القول إن «دكتاتورية الدولار» هي العنصر الأهم فيه راهنا (التمرّد عليها سيتم تباعاً وسيحتاج لبعض الوقت). فكيف لمصطلح عابر أطلقته وزيرة خارجية في عهده (بوش) أن تصبح قانوناً يحكم العالم، ويفسّر كل تحوّلاته، بما فيها تحوّلا فاجأ العالم أجمع مثل الربيع العربي؟!
من اللافت أن من يرددون مصطلح الفوضى الخلاقة لا يتذكرون أنه ما من مشروع صاغته أميركا (ومعها الكيان الصهيوني الأكثر تأثيراً في سياستها الخارجية الشرق أوسطية) منذ مطلع التسعينات وانتهى إلى النجاح؛ من مشروع أوسلو وحتى مشروع غزو العراق لإعادة تشكيل المنطقة، فضلاً عن جملة المشاريع الرامية إلى إنجاز حل للمسألة الفلسطينية.
من يتحكم بالكون لا يحتاج لبث الفوضى، فهو يدير المشهد كما يشاء، والفوضى هي مسار يمكن أن يختطه من لا يملك القدرة على التحكم بالمشهد من الأساس، ورغم ذلك، فإن بث الفوضى ومن ثم التحكم بمخرجاتها يحتاج إلى قوة مسيطرة، الأمر الذي لا ينطبق على أميركا هذه الأيام.
لعل أسوأ ما في قصة «الفوضى الخلاقة» التي يرددها البعض هي استخدامها في سياق من إدانة الربيع العربي والتشكيك بهويته وأصوله، وكونه نابعاً من حاجات أصيلة للإنسان العربي الذي عانى من الفساد والاستبداد وغياب السيادة الحقيقية والاستقلال على نحو مريع خلال العقود الأخيرة، وما لا يقل سخفاً هو استخدامها للحديث عن نسبة «الظاهرة الجهادية»، إن جاز التعبير، إلى دوائر أميركية، وهو خطاب شاركت فيه إيران وبعض اليساريين والقوميين في المنطقة، والأخيرون للمفارقة كانوا يعتبرون «أبو مصعب الزرقاوي» بطلاً حين كان يقاوم الأميركان، بل تسامحوا حتى مع ضربه القوى الشيعية في حينه، لكن القضية كلها كانت تتعلق بسوريا، لأن وصول الربيع العربي إليها هو الذي حوّله عندهم إلى مؤامرة، كما حدث مع إيران التي رأته «صحوة إسلامية»، وحين وصل سوريا، جعلته مؤامرة صهيونية أميركية (كل ذلك لا صلة له بتقييم الظاهرة فكرياً وسياسياً؛ هي التي سجّلت مصائب كبيرة خدمت أعداء الأمة، وإن لم تقصد ذلك).
حين يعجز البعض عن تفسير ظاهرة سياسية معقّدة، فإنهم يذهبون إلى نظريات المؤامرة بحثاً عن تفسير، لكن الأسوأ من هؤلاء هم أولئك الذين يفعلون ذلك، وهم متأكدون أنهم يتوسلون تبريراً لمواقف خاطئة عبر نظريات «تآمرية» يدركون تماماً أنها سخيفة ولا قيمة لها.
والخلاصة إننا إزاء سنوات لا يُعرف مداها، عنوانها الفوضى، ولكنها ليست «الفوضى الخلاقة» التي يتحدث عنها أولئك، بل هي الفوضى التي ينتجها مخاض تاريخي في منطقة بالغة الحساسية للعالم أجمع، جاء حين انتفضت أمة؛ ليس من أجل حريتها في الداخل، بل من أجل التحرر من التعبية للخارج أيضاً. كما ينتجها أيضاً مخاض تاريخي دولي لتحديد موازين القوى الجديدة في القرن الجديد، الأمر الذي ينطبق على الوضع الإقليمي أيضاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.