الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
09:33 م بتوقيت الدوحة

«الطَّلاقة»

149
«الطَّلاقة»
«الطَّلاقة»
«مُحيَّا المرءِ أَصدقُ تُرجُمانٍ»: جملةٌ، قالتها العربُ قديمًا، لكنَّها فيما بعدُ مثَّلتْ ما يُشْبِهُ النَّظرية في علومِ السُّلوكِ والتَّربيةِ، الوجهُ مرآة عاكسة لخبايَا النُّفوسِ المُفْصِحَة عنِ مَعْدَنِ الإنسان.
ولن أَتحدث عنِ الطَّلاقة هنا بوصفها مُسْحة وجْهٍ فحسب، ولكن بوصفها سلوكًا لا بُدَّ لكُلِّ ذي عَقْلٍ مِنَ التَّحلي به. إنَّها البساطة منْ غيْرِ ابْتذالٍ. والتَّوددُ مِنْ غيرِ تكلُّف، والبلاغة مِنْ غَيْرِ تَقَعُّرٍ.
والبلاغة سُلوكٌ يشمل مناحي الحياة جميعًا، ترتسمُ على الوجهِ فتكونُ بسمة أخَّاذةً، وكلامًا طيبًا، وحياءً وعفَّةً، ورخاءً ومسرّةً، وأنسًا وصفاءً، وتتجسَّدُ في السلوكِ فتكونُ كرمًا، يفتحُ صاحبُه فِناءَ مجلسِه لكلِّ قادمٍ، ويغدق عليه مما أفاء عليه الله من النعم.
والطلاقة سلوكٌ في التعاملِ، يتمثلُ في طيبة القلبِ وصفاءِ السَّريرة والبُعْدِ عنِ خبيئاتِ النُّفوسِ المريضةِ، وما يكدر العيش وينغص الحياة ويخلط مجرياتها بسموم تبعثر انسجامها واتزانها. أَرأَيْتَ كيفَ جعلَ اللُه سلامة القلبِ مِفتاحًا من مفاتيحِ دخولِ الجنَّةِ، وبلوغ الدرجات العليا حيث الخلود في نعيم مقيم؟ فعلمنا دعاء إِبراهيم: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. وقد أَرشدَنَا النَّبي الهادي -صلى الله عليه وسلم- فقالَ: «وتبسُّمُكَ في وجْهِ أَخيكَ صدقةً».
فمَا أَحوج العالم اليوم -وقد اشتد الحال بالناس وكثُرَتْ المشاغل وضاق الوقت، وتأَزمت حول النفس الأَعباء والأَحمال، فضجّوا وضجروا وضاقوا بأَرواحهم ذرعًا. وانغمسوا في هموم الدنيا- إِلى إِشاعة فكرة الطلاقة؛ حتى تكون ثقافة لدى المدير يستقبل بها عماله، ويوزع عليهم ما يبث فيهم الحماس والانطلاق بانشراح نحو عملهم وإِنجازهم. ولدى المضياف يستقبل بها زواره فيفرج عنهم همهم ويزيل التعب والنصب الذي لحق بهم. ولدى السائق في الزحمة يعتذر بها لمن ضايقهم فيفتح قلوبهم وأَبواب الصبر لديهم.
وفي البيت، لا بد أَن نُشِيعَ ثقافة البسمة وعدمَ التكلّف. وكذلك في علاقاتنا العامة جميعًا. وقد جاء في القرآن: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. إِن البشرية اليوم تعاني كثيرًا؛ بسبب ثقيلي المزاج، وغليظي الطبع، وأَصحاب الأَوجه المُكْفَهِرَّة، والنظرات الحذِرة، والكلام الجاف.
فلْنَعِشْ حياتَنا ببساطة ووقار، وطلاقة في أَدب. ولنجعل شعارنا «توزيع البسمة وتوطئة الأَكناف». دمتم مبتسمين منطلقين طيبين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ما أروع الصديق!!

31 أغسطس 2019

السعادة الحقيقية

25 أغسطس 2019

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019