الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
08:39 م بتوقيت الدوحة

(حِكَمٌ دُرِّيَّةٌ)

150
(حِكَمٌ دُرِّيَّةٌ)
(حِكَمٌ دُرِّيَّةٌ)
الحكمة هبة التجارب، وخلاصة المطالعة، ونتيجة من نتائج تفحص الأمور والنظر فيها ومعاينتها. وليس بمقدور البشر جميعاً الخروج من تجاربهم بنتائج يدركونها حق الإدراك فيستثمرونها جيدًا في حياتهم. وتصديرها إلى الآخرين من حولهم بهدف الإفادة منها وتوظيفها للرقي بهم وبمجتمعاتهم.
وفي سياق حديثنا عن الحكمة، لا يُعلى على ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلّم: «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرًا». سنتوقف على شِقِّ الحكمة من الحديث الشريف، وهي أكثرُ ما استطابَه المصطفى من ثمارِ الشعر ومن منافع الأدب، إذ لا تكفي السَعة استطرادًا؛ لذلك سوف ننتقي من نجوم الحكمة أكثرَها توهّجًا ومن ثمارها أينعها. ولعلّ الشعراء هم أكثر من صدّر إلينا حكمةً؛ إذ اختصَّ كلُّ شاعرٍ بهاجسٍ من هواجس الحياة، واشتغل بشأن من شؤونها من دون سواه، فها هو الشاعر يقول:

ومِن نكدِ الدنيا على المرءِ أن يرى عدوًا لــــه ما مـــــــــن صداقتـــــــــــــــــــه بُدُّ
حكمة رائعة نجَمتْ عن مخالطة المتنبي حسادَه ومزاحمَتَهمْ في مجالسِ الأمراء والملوكِ وتسابُقِه معهم على الحظوة والمَقام. أما الشاعرُ الزاهدُ ابنُ الورديِّ، فقد تناول الحياة بعينٍ زاهدة وبنفسٍ قانعة، ومضى في أشعاره مُنبِّهًا من التهافتِ عليها والحرصِ على بَهْرَجِها الزائلِ، ونعيمِها الآنيِّ، فسطّرَ لنا كنزًا مأثورًا من الدررِ والعبرِ وما أجملَ ما قال:

إن أحلى عيشة قضّيتَها
ذهبتْ لذّاتُها والإثمُ حلّْ

وأختِمُ بحكمة في الرزق؛ إذ إنَّ جِبِلًّا كثيرًا من الأدباء تناولوا موضوعَ الرزق؛ لما له من صلة بكل كَبِدٍ رطْبةٍ، وكلِّ نسَمة بَرَأَها اللهُ، وكلِّ دابة في الأرض وطائرٍ يطير بجناحيه. إلا أن ابنَ زريقٍ البغدادي اكتوى بنار سعيه للرزق، وضحّى بما في حوزته من سعادة ورغَدٍ وودّع الأحبابَ والأهلَ واغتربَ يطرق بلاطَ الملوكِ طلبًا لرزقٍ لم يكن قد كُتب له. فقال:

وما مُجاهَدَة الإنسانِ توصله
رزقًا ولا دَعَة الإنسانِ تقطعُهُ

وُلِدَتْ هذه الحكمة من رَحِمِ المعاناة والمقاساة، وكتبَها ابنُ زريقٍ ثم لفَظَ أنفاسَه الأخيرة بعدها، فهل من مُدّكِرٍ؟ إن استيعاب الحكمة وتشربها ومحاولة الولوج فيها واستنطاقها ستجلب الزمن بخيره إلينا وتبعد صروفه عنّا، وتبلغنا المقصد ونحن في خير حال. فتدبروا حكم السابقين ومن هُم أهل تجربة وخبرة، وكونوا خير معتبر، وخير متلقف لدرر العلم وذروة سنامه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ما أروع الصديق!!

31 أغسطس 2019

السعادة الحقيقية

25 أغسطس 2019

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019