الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
08:32 م بتوقيت الدوحة

الدين

145
الدين
الدين
تعاني مجتمعاتنا اليوم صنفين من الناس، أحدهما يحسب الدين جهلاً ويبوسة وتضييقاً وتطرفاً، فيقدّمه للناس في صورة مشوّهة مموّهة ضيقة حرجة، وثانيهما يقدّم الدين للناس في صورة خنوع وخضوع ومسكنة وتخلّف، وبين الصنفين ضاعت صورة الدين، وتاهت الشعوب وارتضت لنفسها ذل اللا دين، وذل الارتباط بالعبد لا بالمعبود، وقد بيّن محمد سالم عدود ذلك في قوله:

شكا دينُ الهدى ممــــــــــا دهــــــــــــاهُ بأيدي جاهلينَ وملحدينـــــــــــــــــــــــــــــا
شبـــــــــابٌ يحسَــــــــــبون الدينَ جهلاً وشِيـــــبٌ يحسَـــــــــبون الجــــــــــهلَ دينا
ويمتاز الدين الذي ارتضاه الله للناس وأتمّه وأكمله لهم بجملة خصائص:

أولاها: أنه دين فطرة، يعلي قيمة الجمال، ويطلق العنان للروح حتى تستكمل أشواقها، وتسرح في ملكوت الله الذي يحقق لها السمو والرفعة والطمأنينة، وللجسد حتى يكتمل بناؤه، وللعقل حتى يبدع ويتحرر، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، ودين الفطرة هذا، لا يكلّف الناس إلا وسع نفوسهم، وقدر طاقتهم، ولا يريد بهم إلا اليسر، معالمه التخفيف والتيسير والرفق في كل حال، بعيداً عن العسر وما ينغّص القلوب ويكدّر النفوس.

وثانيتها: أنه دين حياة، يطالب الناس بإعمار الأرض والتفكّر في خلقها وخلق السماوات، وليس دين انعزال، لا يرضى الفقر والعجز، ولا يرضى الانغماس في الشهوات والملذات، يحارب الطغيان، ويحذّر من الفوضى، ويعلي شأن الغنيّ الشاكر والفقير القانع، ويرحّب بالشباب الطامح، يقول الشاعر:

شبابٌ قُنَّعٌ لا خيـــــــــــــــــرَ فيهــــــــــــــــــــــــــــم وبُورِكَ في الشبابِ الطامحينا

وثالثتها: أنه دين شامل، يعنى بشؤون الحياة كلّها، ما ظهر منها وما بطن، ففيه عدالة الحكم، وأشواق الأسرة، ومكانة العلم، وأدب الترفيه، وجمال الأخلاق، والجدّ في العبادة، وبناء الاقتصاد، وتنوع الثقافة، وفيه كل تجسيد للحياة والرحمة والسّلم والعطاء، وفيه كل ما يعلي شأن الإنسان ويحقق التوازن النفسي والروحي والمجتمعي الذي هو أساس العدل الذي تقوم عليه عمارة الأرض وفق الأسس التي ترضي الله عزّ وجل.

ديني ودينك حقيقة روحية، ووثبة عقلية، ومسؤولية مدنية، لا يرتبط بالأشكال، وإنما بالمقاصد، جاء ليحفظ لنا فطرتنا وعلاقتنا بربنا، وعلاقتنا ببعضنا وبالكون من حولنا، وجاء ليخرجنا من ظلمات الجهل والانحطاط ووحل الشهوات وسراديب الشّبهات، إلى نور العلم والعدل وصدق الفطرة، وطهر الحياة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ما أروع الصديق!!

31 أغسطس 2019

السعادة الحقيقية

25 أغسطس 2019

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019