الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
08:49 م بتوقيت الدوحة

مغامرة الكتابة

148
مغامرة الكتابة
مغامرة الكتابة
الكتابة مغامرة يخوضها المبدع مع ذاته، فلا يزال في تسديد ومقاربة حتى يمسك بالفكرة ليرتاح. ولا بد للكاتب من أن يمتلك روح المغامرة قبل أن يصبح كاتباً، لذلك قليلون هم الكتاب الذين يعبّرون بصدق عن ذاتهم، وينطلقون في كتاباتهم من مغامرة حقيقة، دفعهم إليها تزاحم أفكار معينة في عقولهم وقلوبهم.

تبدأ المغامرة عندما تكون الفكرة علقة في فكر الكاتب، ثم تكون مضغة، ثم يكسوها الكاتب ثوب بلاغة، لتخرج خلقاً آخر، جذابة مسبوكة، تستوي على سوقها فيتلقفها القارئ الشغوف علّها تشفي شوقه لقراءة ما يروقه، أو يشفي ظمأ روحه. ومن لم يتعامل مع الكتابة بوصفها مغامرة، قنع بأي كلام مزور، وأخذته نفسه الأمّارة إلى مهاوي التهافت والفهاهة.

والكاتب الحق من تذكر قول الجاحظ: «وليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه، حتى لا يحتاجها السامع لما فيه من الروية، ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو، ويحطه من غريب الإعراب ووحشي الكلام»، فهذا القول يحتاج من كاتبه إلى خوض مغامرة حتى يبعث في روحه ويجري في قلمه.

فأنت -بوصفك كاتباً- تعمل على ثلاث جبهات، الجبهة الأولى: جبهة الأفكار، وعدّتك فيها تمام الفهم لما تريد أن تكتب، والإحاطة بجوانب الفكرة، وتمثُّلها، والعيش في ظلالها حتى تختمر وتنضج.

الجبهة الثانية: جبهة الأسلوب والصوغ الذي يليق باللغة ومبدعها أو كاتبها ومتلقيها وتاريخها وإرثها، وهي الثوب الذي يظهر مفاتن الفكرة الجميلة. والكاتبُ الذي لا يولي عنايته لحسن السبك وجمال الأسلوب، هو كمن يضيِّع فرصة بيع تجارته بسبب سوء التسويق والعرض، فيجب أن يكون غاية المقصد إتقان وتجويد وإبداع وبذل المستطاع في ذلك من غير استهانة بهذه الجبهة.
الجبهة الثالثة: جبهة الموضوع والسياق، فكم من كاتب قد أهدر مداد كلماته في تفاهات لا أول لها ولا آخر، فضاع القارئ في عناوين حسبها تطفئ ظمأه، فلما تصفحها وجدها سرابا بقيعة.

الكتابة آية من آيات الله الدالة على تكريم الإنسان، ولكنها تحتاج إلى جو من الحرية والإبداع، وإلى فكرة ناضجة مستوية، وأسلوب أخاذ، وفكر واضح المعالم، وإذا اجتمعت هذه الميزات جميعاً في الكاتب وما يكتب فسنحصل على منتج أدبي ذي جودة عالية يقبل عليه الساعون إلى ريّ ظمئهم، وإنارة فكرهم، وتحصين عقولهم، وتقوية عزائمهم، واستقامة أمورهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ما أروع الصديق!!

31 أغسطس 2019

السعادة الحقيقية

25 أغسطس 2019

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019